في شارع معروف، كان الناس يحذروني من عجوز ساكنه فيه. يقولون إنها مجنونة.
في يوم من الايام، كنت امشي في الشارع وفجاة قابلتها.
شكلها كان مو مرتب، لكن ملامحها كانت رحيمة، وعيونها تحكي حكايات سنين طويلة.
ومن غير اي مقدمات قالت:
“نواف…”
استغربت.. كيف عرفت اسمي؟
ثم قالت: “تعرف قصة المزارع اللي كانت عنده بطة تبيض ذهب؟”
كانت البطة تبيض بيضة ذهب كل يوم.
اول مرة باضت ذهب، فرح المزارع وشكر الله، وما قدر يصدق حظه.
ثاني مرة كان فرحان.
الثالثة والرابعة… تعود.
وبدا يقول: “بيضة ذهب في اليوم مو كفاية. اذا هالبطة تبيض ذهب كل يوم، تخيل كم الذهب اللي داخلها.”
فقرر يقتل البطة ويفتح بطنها، وياخذ كل الذهب اللي داخلها.
لكن لما فتحها… ما لقى شي.
لا ذهب.
ولا عاد فيه بيض.
خسر البطة وخسر البيض اللي كانت تعطيه كل يوم.
سكتت العجوز شوي وقالت:
“بعض الناس يا نواف يعتقدون ان القصة عن الطمع، وهذا صحيح نوعا ما…
لكن فيها معنى ثاني مخبا.”
ثم قالت:
“المزارع ما توقف عن استقبال المعجزة…
هو بس تعود عليها.”
وقتها فهمت.
احنا نسوي نفس الشي مع الناس اللي حولنا.
شخص كان دايم جنبك وقت ما تحتاجه… فتعودت على وجوده.
شخص كان صبور معك… فتعودت على صبره.
شخص يحبك ويغليك… فتعودت على حبه.
شخص يطمن عليك، يسامحك، يشيل عنك، ويتواجد عشانك…
وكانت كل هذي الاشياء هدية من الله، لكن مع الوقت صارت بالنسبة لك شي “مضمون”.
وبدل ما نلاحظ كل الاشياء الحلوة اللي يقدمونها لنا، نبدأ نلاحظ الاشياء اللي ما قدموها.
مرة تاخر.
مرة عصب.
مرة ما كان موجود.
مرة قال “لا”.
وفجاة… نصير مثل المزارع.
ننسى كل البيض الذهبي اللي اخذناه، ونركز على البيضة اللي ما جت.
فكر يا نواف…
في شخص كان كله لك، وتعودت على وجوده لدرجة انك نسيت شكثر وجوده نعمة.
لا تنتظر لين يروح عشان تكتشف عظمة وجوده معاك.
وقتها صفنت شوي…
وتذكرت الناس اللي احبهم، وتذكرت شكثر انا ضامن وجودهم، وشكثر من نعمة في حياتي صارت بالنسبة لي شي عادي.
التفت للعجوز عشان اقول لها شي…
لكن ملامحها تغيرت.
رجعت العجوز المجنونة اللي كانوا يحذروني منها…
وهربت من المكان.
وتركتني واقف افكر:
كم نعمة في حياتي تعودت عليها لدرجة اني ما عدت اشوفها نعمة؟
29
2
1August 13, 2026 398