وهم اقصاء الدين قراءة في جذور التشدد
تتردد في الخطاب المعاصر اطروحة تبدو للوهلة الاولى عقلانية ومخلصة مفادها ان اقصاء الدين عن الحياة العامة هو الطريق الاقصر لانهاء التشدد غير ان هذه الاطروحة عند اخضاعها للفحص الفلسفي والاجتماعي تكشف عن قدر كبير من التبسيط المخل بل وعن نزعة ايديولوجية لا تقل تشددا عما تدعي محاربته، فالتشدد في جوهره ليس نتاج الدين بقدر ما هو تعبير عن تشوه سايكولوجي واجتماعي حيث ان الانسان المتشدد هو انسان مازوم قبل ان يكون متدينا مازوم في وعيه وفي شعوره بالقيمة وفي علاقته بالعالم الدين هنا ليس سوى الوعاء الذي يسكب فيه هذا الاضطراب ولو افرغ هذا الوعاء لامتلأ غيره وهنا يكمن الخطأ المنهجي في ربط التشدد بسبب واحد واهمال البنية النفسية الاجتماعية التي تنتجه
التشدد بلا دين حين يتحول العقل الى اداة قمع
ليس الدين الشكل الوحيد الذي يتجلى فيه التشدد فالتاريخ الحديث زاخر بنماذج تشدد لا ديني مارس عنفا ورقابة واقصاء لا يقل شراسة عن اكثر الصيغ الدينية انغلاقا القومية المتطرفة الايديولوجيات الشمولية بل وحتى بعض الخطابات العلمانية حين تتحول الى عقائد مغلقة كلها اثبتت ان التشدد ليس حكرا على المقدس، ويجب ان تعلموا ان معاداة الدين ذاتها قد تتحول الى شكل من اشكال المرض الاخلاقي حين لا تقوم على نقد معرفي هادئ بل على كراهية شاملة واختزال للانسان المتدين في صورة نمطية هذا النوع من العداء لا ينتج عقلا تحرريا بل ينتج تشددا مضادا يعيش على نفي الاخر بدل فهمه وعلى الهدم بدل الاصلاح وهكذا نجد انفسنا امام تشددين متقابلين يتغذيان من المنبع النفسي ذاته وان اختلفت شعاراتهما، الدولة القوية والتدين المعتدل طريق الخروج من الحلقة المغلقة
ان اسقاط التخلف لا اسقاط الدين هو الشرط الحقيقي لانحسار التشدد
فكلما تقدمت الدولة في بنيتها القانونية والتعليمية والاقتصادية تراجعت قدرة النزعات المتشددة على الفعل والتاثير وكذلك الدولة القوية لا تخاف من وجود تشدد سلمي بل تسمح به في اطار ديمقراطي يفرق بين الفكرة والسلوك وبين الراي والجريمة، اما الرهان على الالحاد او الانحلال بوصفهما حلولا فهو رهان ساذج لا يراعي الذاكرة العميقة للمجتمعات فالمجتمعات التي عاشت داخل العقل الديني لالاف السنين لا تستطيع تقبل الحياة بدون الدين ولا يمكن اقتلاعها فجأة من هذا الافق الوجودي دون ان تدخل في فراغ قاتل وكذلك احترام شعورها الديني ليس تنازلا عن العقل بل شرط من شروط الحكمة الاجتماعية وبالمقابل لا يكون الاصلاح الا عبر الاقناع بتدين معتدل متصالح مع المدنية والعلم يرى في الدين معنى اخلاقيا لا اداة قمع وفي العقل شريكا لا خصما، هنا فقط يمكن للمجتمع ان يخرج من جدلية التشدد ومعاداته الى افق ارحب افق الانسان الحر الواعي والمتصالح مع ذاته وتاريخه...

