قناة د. عبداللطيف التويجري: post #1124 — TG.ME

على طاولة الجهات المانحة: هل آن الأوان لإعادة النظر في هذا القرار؟!

تردَّد في بعض دوائر التمويل الخيري والدعم الوقفي رأيٌ مفاده: أن الكتاب الورقي قد أفل نجمه وانتهى زمانه، وأن تخصيص الأموال والموازنات المالية لطباعته ونشره لم يعد مجديًا في ظل الثورة التقنية.

وقد تبدو هذه النظرة للوهلة الأولى مسايرة للواقع؛ فوسائل التلقي تغيرت، والشاشات غدت في أيدي الكافة، والمحتوى الرقمي يمتاز بالسرعة وسعة الانتشار وانخفاض التكلفة في كثير من الأحيان؛ غير أن الخلل لا يكمن في مواكبة التحول الرقمي، بل في استنتاج نتيجة غير دقيقة من مقدمة صحيحة؛ إذ لا يلزم من ظهور الوسائط الرقمية موت الكتاب الورقي وزوال الحاجة إليه.

إنَّ السؤال المنهجي الذي ينبغي أن يطرحه أهل الإحسان والنظار الكرام: «ما الكتاب الذي يستحق الدعم؟ وأين توجد الحاجة إليه؟ وكيف نضمن وصول العلم النافع إلى مستحقيه بالصيغة الأوفق؟».

فالكتاب أصل معرفي جامع تتعدد أذرعه، والكتاب ليس مجرد حبرٍ وورق، بل هو بنية معرفية أصيلة ووعاء علمي مُحكَم قابل للامتداد والتناسل؛ فالكتاب المطبوع اليوم قد يكون:

• مرجعًا راسخًا على رف طالب العلم والباحث المتخصص.
• أصلاً علميًا يُستخرج منه محتوى رقمي، أو دورات تعليمية، أو سلاسل مرئية ومسموعة، أو بطاقات معرفية.
• قاعدة محتوى تبنى عليها المشاريع الدعوية والإعلامية المعاصرة.

فالإنفاق على إخراج كتاب نافع ليس استثمارًا في أوراق مجردة، بل هو استثمار في أصل علمي تتفرع منه ثمار معرفية متجددة.

والواقع المعاش ينقض دعوى انقضاء عصر الكتاب؛ فمعارض الكتب الدولية في العواصم والمدن الإسلامية لا تزال تشهد إقبالاً كثيفًا من الباحثين وطلاب العلم والقراء، ودور النشر ما زالت تنافس وتنتج وتطبع.

كما أن حاجات المجتمعات ليست على وتيرة واحدة:
١. التفاوت الجغرافي: فما قد يكون فائضًا ومتاحًا في بعض الحواضر، قد يكون نادرًا عزيزًا في بلدان ومناطق أخرى يعاني طلاب العلم فيها شحًّا في المراجع الأساسية المطبوعة، مع ضعف خدمات الاتصال والكهرباء التي يعتمد عليها النشر الرقمي.
٢. التفاوت التخصصي: فالكتب التخصصية والمطولات العلمية والمناهج المنهجية الموجهة للمدارس والمراكز القرآنية لا غنى فيها عن النسخة الورقية لتحقيق الضبط والمدارسة.

ويشهد لذلك شواهد ميدانية واضحة:
فعلى سبيل المثال، حين صدر كتاب «التحرير المشبع» للشيخ أحمد القعيمي وفقه الله تعالى في (٧) مجلدات كبار، بيع منه قرابة (٥٠٠) نسخة عبر الموقع الرسمي للدار وحدها خلال أسبوع واحد، ناهيك عما وُزِّع منه على دور النشر الأخرى، وكذلك موسوعة أحكام الصلوات الخمس للشيخ الدبيان وفقه الله تعالى خلال ثلاثة أيام فقط بيع منها (٣٠٠) نسخة؛ مما يدل على أن الكتاب المطبوع المتخصص لا يزال يمتلك سوقه القوية وقيمته العلمية العالية لدى طلاب العلم والباحثين، والأمثلة على ذلك كثيرة.

البعد الفقهي وشروط الواقفين:

وتكتسب المسألة حساسية خاصة حين يتعلق الأمر بأموال الأوقاف والوصايا؛ فإذا نصَّ الواقف في حجته الوقفية على مصرف طباعة الكتب، أو تزويد المكتبات بالكتب العلمية، لم يعد للنظار صرف الريع إلى مسارات أخرى بمجرد الاستحسان الإداري.

وقد قرر الفقهاء في قواعد الوقف أن: «شرط الواقف كنص الشارع» في وجوب العمل به والمفهوم والدلالة ما لم يخالف الشرع، وقد ذكر ابن عابدين في حاشيته: «قولهم شرط الواقف كنص الشارع: أي في المفهوم والدلالة، ووجوب العمل به».

فالواجب على النظار والجهات القائمة على الأوقاف إنفاذ شرط الواقف في طباعة ونشر العلم الورقي حيث اقتضاه الوقف، مع إمكانية استثمار التقنية في خدمة هذا الأصل.

كذلك يُعد دعم الكتاب الورقي من أعظم أبواب البر والصدقة الجارية «أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ» كأن تتكفل جهة مانحة أو محسن بضمان دعم المقررات الدراسية المطبوعة لطلاب المنح؛ وهو سدٌّ لحاجة ماسّة وركيزةٌ أساسية للتحصيل العلمي المنهجي الذي لا يمكن للنسخ الرقمية أو الإلكترونية أن تسد مسدّه أو تغني عنه في مرحلة التلقي والضبط.

إنَّ الوعي يقتضي ألا نجعل المحتوى الرقمي خصمًا للكتاب المطبوع، بل جعل التقنية خادمةً للكتاب وناشرةً لمضامينه؛ فيُطبع الكتاب ويُحفظ أصله وتزوّد به المكتبات والمدارس والمحاضن العلمية والتربوية، وتُتاح منه نسخ رقمية، وتُستخرج من فصوله مساقات ومواد مرئية ومسموعة.

بهذا التوازن، تستمر الصدقة الجارية، ويتحقق الانتفاع بالعلم على أكمل وجوهه، ويبقى الكتاب كما كان عبر القرون ركيزة البناء العلمي وعماد الوعي المعرفي للأمة.

أخيرًا…ما مضى ليس إلا همسة في أذن الأبطال الأماجد، العاملين في الجهات المانحة، والقائمين على أبواب الخير، الذين نعرف لهم سابقتهم، ونشهد لهم ببذلهم، ونقدر ما يبذلونه من أوقات وجهود في خدمة العلم وأهله.
وهم — بحمد الله — أغنياء عن المدح، معروفون عند الجميع، وما هذه الكلمات إلا لفتة محب، ومشاركة رأي.

كتب اللهُ أجر الجميع، وبارك في الجهود والعطاء.
t.me/https3e/1124Translating to English…
❤11👍7🕊1
August 23, 2026 1.1K 5