عائشة رضي الله عنها كانت تغار كثيراً، وذكر النووي رحمه الله سبب غيرتها: أنها كانت صغيرة، وكانت متعلقة بالنبي عليه الصلاة والسلام كثيراً، لذلك كانت تغار رضي الله عنها، بل كانت تغار من خديجة وهي ميته! فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان وفياً لخديجة وكان يكثر ذكرها، ولهذا قالت عائشة: "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت من خديجة وما رأيتها، ولكنه كان يكثر ذكرها". والنبي عليه الصلاة والسلام كان أي شيء يذكره بخديجة يحبه عليه الصلاة والسلام. عند الحاكم بسند يحسنه الألباني والوادعي: أن امرأة عجوزاً دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما دخلت وهو عند عائشة، قال لها الرسول: «مَنْ أَنْتِ؟» قالت: أنا جثامة المزنية. قال: «لا، بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ»، ثُم بسط لها النبي صلى الله عليه وسلم الرداء وجعل يتحدث معها وينبسط ويتذاكرون زمن خديجة وكيف كانت تاتي عند خديجة وماذا كان عند خديجة! فعائشة صدرت منها الغيرة، لكنها تمالكت نفسها أمام المرأة، فلما خرجت المرأة كأن بعائشة تأخذ بعنق النبي عليه الصلاة والسلام وتقول له: "يا نبي الله، تقبل هذا الإقبال على مثل هذه العجوز?!" فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا فِي زَمَنِ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ». وأيضاً جاء عند الإمام أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام يوماً ذكر خديجة وأثنى عليها وأطنب في الثناء، قالت عائشة: فما ملكت نفسي حتى قلت له: يا نبي الله، ما أكثر ما تذكرها! حمراء الشدقين (تعني امرأة قد تساقطت أسنانها لكبرها)، قد أبدلك الله خيراً منها! (تقصد: أنا صغيرة وجميلة وتلك عجوز وكبيرة)، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْراً مِنْهَا؛ قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ مِنْهَا الْوَلَدَ إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ». قالت: واشتد غضبه حتى جعلت أقول: "اللهم أذهب عني غضب رسول الله ولن أعود إلى ذكرها". فانظر كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الغيرة! ولكن كونه عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الغيرة بهذا الصبر والصفح بشرط ألا يكون في الغيرة اعتداء على الآخرين، فإذا كانت الغيرة تؤدي إلى الاعتداء والظلم فإن النبي عليه الصلاة والسلام يدافع ويوقف الغيرة عند حدها: جاء عند الترمذي بسند صحيح عن عائشة قالت: قلت يا نبي الله، حسبك من صفية كذا وكذا (قال بعض الرواة: تعني أنها قصيرة). هذه الكلمة فيها ظلم لصفية، فيها لمز واحتقار، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا عَائِشَةُ، لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ»، وإن كان هذا من الغيرة لكن لا ينبغي أن تؤدي الغيرة إلى الظلم أبداً. وجاء عند الترمذي أيضاً عن أنس قال: وصل الخبر إلى صفية أن حفصة قالت لها: "يا ابنة يهودي" (أنت ابنة يهودي). فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على صفية وهي تبكي: «مَا يُبْكِيكِ يَا صَفِيَّةُ؟» قالت: يا نبي الله، حفصة قالت لي إني ابنة يهودي! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا صَفِيَّةُ، إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟» (أنت ابنة هارون، وعمك موسى عليه السلام، وزوجك محمد عليه الصلاة والسلام، ففيم تفخر عليك؟!) فارتاحت صفية جداً، ثم ذهب إلى حفصة وقال لها: «اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ». فانظر كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الموقف! ومن قصص الغيرة أيضاً ما جاء في الصحيحين واللفظ للبخاري عن عائشة قالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب العسل والحلوى، وكان صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن (أي يمر عليها في البيت يرى ماذا تحتاج) ثم ينصرف. قالت: فدخل على حفصة -وفي لفظ: على زينب- فاحتبس أكثر مما كان يحتبس (تأخر عندها)، قالت عائشة: فغِرتُ! ليش النبي تأخر عند حفصة؟! أنا المقدمة المحببة إليه، ما السر أنه تأخر عند حفصة؟ قالت: فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكّة من عسل، فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة. فالنبي يحب العسل، فلما وجد العسل عند حفصة تأخر يشرب العسل. قالت عائشة: فقلت: والله لنحتالن له! (ندبر خطة ونجعله ينصرف عن هذا العسل)، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منكِ، فإذا دنا منكِ فقولي: أكلتَ مغافير؟ (وبدأوا بسودة لأن سودة كانت امرأة متدينة، وقد وهبت يومها وليلتها لعائشة، يعني هي ما عادت تريد من النبي شيئاً، قالوا هذه مصدقة عند النبي)، فإن سيدنو منك فقولي: أكلت مغافير؟ (والمغافير صمغ من الشجر له رائحة كريهة)، فسيقول لكِ: لا، فقولي له: ما هذه الرائحة التي أجد منك؟ فإنه سيقول لكِ: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جَرَسَتْ نَحْلُهُ
عائشة رضي الله عنها كانت تغار كثيراً، وذكر النووي رحمه الله سبب… — ملتقى الخطب المكتوبة — TG.ME
August 30, 2026 301