موقف آخر من تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الغيرة: جاء عند أحمد بسند صحيح أن عائشة قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية! وصفية -كما هو معروف- ابنة ملك، وتعرفون بنات الملوك تكون على هيئة من النظام والطعام... إلى آخره، فهي كانت تصنع الطعام بدقة وبنظام. بعض الناس هكذا مفطور؛ أحياناً بعض بناتك الصغيرات لو قلت لها: "ائتيني بكأس ماء"، تذهب وتضع الكأس في صحفة وتأتيك بمنديل وحركات! بعض النساء هكذا. عائشة تقول: "ما رأيت صانع طعام مثل صفية"، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناءً فيه طعام، قالت عائشة: "فما ملكت نفسي أن كسرته، ثم ندمت، فقلت: يا رسول الله، ما كفارته؟ قال: إناء بإنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ"، وانتهى الموقف! هكذا كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الغيرة. وجاء عند الإمام أحمد بسند صحيح أن عائشة قالت: "افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه"؛ فالنبي جاء عند عائشة ونام عندها، فلما نامت جاءت تتحسس فما وجدته، قالت: "إذاً أكيد قام وذهب عند امرأة أخرى"، قالت: "فتحصبت فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت"، فقالت: "قلت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، إنك لفي شأن وإني لفي شأن آخر!"، يعني أنت مع ربك في العبادة والصلاة والطاعة، وأنا ظننتُ أنك عند بعض نسائك، فحملها ذلك الغيرة. وجاء أيضاً في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم عندي فنام، وعائشة نامت، ثم النبي عليه الصلاة والسلام قام أو كان بجوارها، والبيت ظلام -تعرفون ليس فيه كهرباء ولا شيء- فشعرت وبحثت عن يمينها وشمالها فلم تجد النبي عليه الصلاة والسلام، فجعلت تتحسس فوقعت يدها على راسه والنبي عليه الصلاة والسلام نائم وشعر بها، فقال: «يَا عَائِشَةُ، قَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟» هاه! شيطانك بدأ يوسوس لك الآن أنني ذهبت عند امرأة أخرى! قالت عائشة مباشرة: "وأنت ما عندك شيطان؟" (يعني أنا عندي شيطان بس أنت ما عندك شيطان؟!) فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «بَلَى، عِنْدِي شَيْطَانٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ»، ثم النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى نومه. تخيل النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم توقظه من النوم، وفي هذا الموقف ما صاح ولا أقام الدنيا! وجاء في صحيح مسلم أيضاً عن عائشة قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: بلى. قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاهطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويداً. الرسول عليه الصلاة والسلام جاءته مهمة الآن، فانظر إلى كمال خلقه؛ ما أيقظ عائشة وأزعجها، لا! انتعل رويداً، وأخذ النعال رويداً، وفتح الباب ثم أقفله رويداً ثم خرج، وهو يظن أن عائشة نائمة. عائشة كل هذا الموقف وهي تشاهد لأنها ليست بنائمة! قالت: فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتأزرت بإزاري، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفتُ، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحضر (أي جرى سريعاً) فأحضرتُ، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعتُ، فدخل فقال: «مَالَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً؟» (أي يرتفع نفسها من شدة الجري)، قلت: لا شيء! تخيل النبي عليه الصلاة والسلام جاءه جبريل وقال: "يا محمد، اخرج واستغفر لأهل البقيع"، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الموقف الهادئ وخرج إلى البقيع مع جبريل ودعا لهم واستغفر لهم. عائشة لما رأته خرج ظنت أنه خرج إلى بعض نسائه، فلبست الخمار والحجاب ثم تبعته من ورائه وهو لا يدري عنها، ثم وقفت من بعيد لترى ماذا يفعل، فلما انتهى من موقفه عاد. جعل النبي صلى الله عليه وسلم يمشي وهي تمشي، والنبي صلى الله عليه وسلم رأى سواداً من بعيد فقال: "من هذا في هذه الساعة يلاحقني؟" فجرى فجرت عائشة حتى وصلت البيت قبله. جاء النبي صلى الله عليه وسلم يحس عائشة: "يا عائش، أنت كنت خلفي؟" قالت: لا! فوضع يده على صدرها فإذا هي حشيا رابية، فقال: «يَا عَائِشَةُ، مَا الْأَمْرُ؟ لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»، قالت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، الأمر كذا وكذا... أنا تبعتك وظننت أنك ذهبت إلى بعض نسائك، فهذا الذي حصل. تخيل الموقف! النبي عليه الصلاة والسلام ما صاح بها، بل بين لها الموقف وقال: «أتَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟» (يعني أنا وأنا رسول سأظلمك وما سأعدل فيك؟!) وانتهى الموقف عليه الصلاة والسلام.
موقف آخر من تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الغيرة: جاء عند أحمد… — ملتقى الخطب المكتوبة — TG.ME
August 30, 2026 315 1