قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَحَدِ أَنْبِيَائِهِ: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وَقَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ فَالمُصْلِحُونَ أَجْرُهُمْ عَظِيمٌ وَأَجْرُهُمْ جَزِيلٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. جَاءَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ البَيْنِ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» [1][2]. فِي هَذَا الحَدِيثِ يُخْبِرُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إِصْلَاحَ ذَاتِ البَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَفْضَلُ مِنَ الصِّيَامِ، وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالمَقْصُودُ النَّافِلَةُ؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ؟ إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ». فَاحْرِصْ أَيُّهَا المُسْلِمُ أَنْ تَكُونَ مُصْلِحًا بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ، بَيْنَ الرَّجُلِ وَقَرِيبِهِ، بَيْنَ الأَقَارِبِ وَالجِيرَانِ، احْرِصْ أَنْ تَكُونَ مُصْلِحًا وَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ مُفْسِدًا؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ، كَمَا سَمِعْتُمْ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَإِنَّمَا تَحْلِقُ الدِّينَ»، تُحْبِطُ الحَسَنَاتِ، تُحْبِطُ الطَّاعَاتِ، تُدَمِّرُ الحَسَنَاتِ، وَتُوَفِّرُ السَّيِّئَاتِ، وَتُوَفِّرُ المُنْكَرَاتِ، وَتَجْعَلُ الشَّخْصَ يُحِبُّ المُنْكَرَ وَيَكْرَهُ الخَيْرَ. يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ». إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِمَالٍ، أَنْ تَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، فَهَذَا الأَمْرُ مِنْ أَعْظَمِ الصَّدَقَاتِ وَأَجَلِّهَا؛ أَنْ تُصْلِحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَنْ تُصْلِحَ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ، أَنْ تُصْلِحَ بَيْنَ الجَارِ وَجَارِهِ، أَنْ تُخَفِّفَ المَشَاكِلَ بَيْنَ القَرِيبِ وَقَرِيبِهِ. يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ» [3]؛ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، تُصْلِحُ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ، تُصْلِحُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ، فَهَذِهِ صَدَقَةٌ، بَلْ مِنْ أَعْظَمِ الصَّدَقَاتِ. يَقُولُ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ «فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ»، وَهَذَا أَمْرٌ إِلَهِيٌّ بِالإِصْلَاحِ بَيْنَ الإِخْوَةِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالمَكَانِ المُنَاسِبِ وَفِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ، حَتَّى يَكُونَ الإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ لَهُ وَقْعُهُ وَلَهُ مَكَانَتُهُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ. أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكُمْ لِكُلِّ خَيْرٍ. --- *الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ* الحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَالإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ لِأَهَمِّيَّتِهِ البَالِغَةِ، أَجَازَ دِينُنَا الحَنِيفُ الكَذِبَ مِنْ أَجْلِ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ؛ الكَذِبُ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، لَكِنْ لِتَأْلِيفِ القُلُوبِ وَتَقْرِيبِهَا وَجَبْرِ كَسْرِهَا، أَجَازَ الشَّارِعُ أَنْ تَكْذِبَ فِي حُدُودِ هَذَا الأَمْرِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ… — ملتقى الخطب المكتوبة — TG.ME
August 29, 2026 499