العدل والظلم الإلهي
《وخلاصة القول، إنه بقياس الزراعة ينبغي أن تُفصل عناصر هذا العالم بعضها عن بعض، ثم يُجعل كل واحد منها في موضعه اللائق به. وهذا فيما يظهر هو معنى العدل الإلهي: أن يُوضَع كل شيء في موضعه، وأن يُعطَى كل شيء ما يليق به. وعلى هذا القياس، فإن عدم مراعاة هذا النظام يُعَدّ ظلمًا في حق الله. أما إذا عُرِّف الظلم بأنه التصرف في مُلك الغير بغير إذنه، فإن هذا التعريف لا يمكن تطبيقه على الله، لأن جميع الأشياء مُلكه. وعلى هذا الأساس، فكل ما يفعله—سواء عامل الأخيار بالشر أم عامل الأشرار بالخير—يبقى عدلًا، لأن الأخيار والأشرار جميعًا مُلكه. فلو ألقى المقرَّبين عنده في النار، وأدخل من لا يرضاهم إلى بستان أو روضة، فأطعمهم النعم الطيبة، وسقاهم، وأراحهم بكل أنواع الراحة، لكان ذلك مثل رجلٍ يحرق شاله هو ليخبز الخبز، لكنه يحفظ أقراص الوقود من الروث في صرة. ولا يُسمّى هذا ظلمًا. أما إذا أحرق شيئًا يملكه غيره بغير إذن، ولو كان مجرد قرص وقود واحد، فضلًا عن خرقة قديمة ممزقة خشنة، فذلك هو الظلم حقًا.
غير أن إحراق الشال وحفظ أقراص الوقود يبقى فعلًا في غير موضعه ومخالفًا للكمال. فمن الذي لا يعدّه معيبًا؟ ولما كان قد ثبت من قبل أن جميع الكمالات يجب أن تكون ثابتة لله، فإنه يمتنع أن يوجد فيه شيء مناقض للكمال. بل إن جميع الكمالات هي صفاته الذاتية.
وإذا شُرحت هذه الأمور على سبيل المثال، بدا الأمر كأنها شبيهة بصفاتنا الموروثة، وكمالاتنا الجبلية، وأخلاقنا الخُلقية، وطبائعنا. إلا أن أوصافنا الطبيعية ليست طبيعية على الإطلاق؛ بل هي من جهة ما عارضة، لأنها قد تزول تحت غلبة غيرها وقوته. فبرودة الماء طبيعية، لكنها تتبدل بحرارة النار، والحجر بطبعه يسقط إلى أسفل، لكنه إذا قُذف إلى أعلى ارتفع. أما في حق الله، فلا يوجد ما هو أقوى منه حتى يجري فيه تأثير غيره في ذاته وصفاته. بل لا توجد قوة مستقلة في شيء أصلًا. وجميع الموجودات في مواجهته بمنزلة الآلات والأدوات، فإن كانت هناك قوة فهي لله وحده.
ومن هنا يتضح وجه الحجة. فقد يُقال: كما أن الإنسان يستطيع أن يحبس نفسه زمنًا يسيرًا مع أن التنفس طبيعي، وكما أن الغضبان قد يكظم غضبه مراعاةً لمصلحة، فكذلك لله القدرة المحضة على أن يفعل خلاف ما يقتضيه كماله الذاتي. غير أن العاقل لا يفعل خلاف الطبع من غير غرض. فهو لا يفعل ذلك إلا رجاءَ نفع أو دفعًا لضرر. فالإنسان قد يمتنع عن الغضب في موضع الغضب لأنه يخشى ضررًا يلحق بنفسه أو شرفه أو ماله، أو لأنه يرى أن مقصودًا معينًا لا يُنال إلا بهذا الامتناع. والحاصل أن العاقل لا يعارض طبعه مجانًا. فمن أعقل من الله، وهو خالق العقل ذاته؟ وكيف يُتصوَّر منه أن يفعل خلاف طبعه من غير غرض؟ ثم إن النفع ممتنع في حقه، لأن جميع الكمالات ثابتة له ضرورة، فأي نفع زائد يمكن تصوره؟ وكذلك الضرر ممتنع؛ لأن الضرر أولًا هو عدم الكمال، وثانيًا لا يقع إلا بقهر مضادٍّ وغلبته. فالحرارة تتأثر بالبرودة، والبرودة بالحرارة، والنار بالماء، والماء بالنار. لكن قد ثبت من قبل أن الله واحد، وأن ما سواه لا يملك قوة ولا تأثيرًا استقلاليًّا. وأما ما يظهر في المخلوقات من قوة وتأثير فليس إلا مجرىً يمرّ عبره التأثير الإلهي، كما يمر الماء عبر الصنبور. وكما لا شيء يساوي الله، فلا يوجد له ندٌّ ولا حتى خصم أدنى يعارض وجوده.
فإذا لم يكن في الذات والصفات الإلهية مجالٌ للنفع أو الضرر، امتنع أيضًا أن يقع منه فعلٌ على خلاف الطبع. وإلا للزم—معاذ الله—أن يكون الله الكريم سفيهًا. وهذا محال، لأنه ليس عاقلًا فحسب، بل هو خالق العقل. أو للزم أن يقال إنه يفعل عن علم وعمد فعلًا في غير موضعه، ويُلحق النقص بذاته وصفاته، ويُوصَف بالعيب. وكل ذلك مناقض للكمال، فلا سبيل له إلى الذات الإلهية. وبما أن جميع الكمالات ثابتة له ضرورة، فإن أوصافه الطبيعية باقية على وتيرة واحدة من الأزل إلى الأبد. وتغير الخاصية الطبيعية لا يكون إلا بتأثير مضاد يغيّرها—كما تغير النار برودة الماء—أو بأن يغير الشيء طبيعته بنفسه خوفًا من أحد أو رجاءً لحسن معاملته. وكل هذه الفروض ممتنعة في حق الله.》
تعريب من الأردية منقول
- تقریر دلپذیر، مولانا قاسم نانوتوي رحمه الله -
علم الكلام
August 31, 2026 15