الموبايل النهارده مش مجرد جهاز بيتحط في جيبك.
في قضايا كتير الموبايل ممكن يكون فيه حياة كاملة.. مكالمات، رسائل، صور، فيديوهات، حسابات، مواقع، وبيانات شخصية ومهنية ومالية، وأحيانًا يكون جواه دليل له علاقة مباشرة بالجريمة محل التحقيق.
وعشان كده، لما النيابة تضبط موبايل متهم.. فيه سؤال بييجي تلقائي:
▪️هل يجوز للنيابة فحص الهاتف واستخراج ما يحتويه من بيانات؟
لكن السؤال الأهم واللي محتاج نقف عنده شوية:
▪️هل من حق النيابة تجبر المتهم نفسه إنه يفتح الموبايل؟
يعني لو المتهم قال: مش هديكم كلمة السر..
ولو الهاتف بيفتح بالبصمة أو بالتعرف على الوجه.. هل يجوز إجباره على استخدام بصمته أو وجهه لفتح الجهاز؟
هنا لازم نفرق بين حاجتين مختلفتين تمامًا.
إن النيابة تضبط الهاتف وتفحصه وفقًا للقانون.. شيء.
وإنها تجبر المتهم نفسه على القيام بإجراء يؤدي إلى الوصول إلى محتوى الهاتف.. شيء تاني.
ومحكمة النقض تناولت بالفعل مسألة فحص الهواتف المحمولة المضبوطة.
وفي الطعن رقم 8263 لسنة 94 قضائية، جلسة 7 أبريل 2025، قررت المحكمة في الظروف التي تناولها الحكم أن اطلاع النيابة العامة على الرسائل الموجودة بالهواتف المحمولة المضبوطة لا يستلزم إذنًا من القاضي الجزئي، وميّزت بين فحص الهاتف المضبوط وبين تسجيل ومراقبة الأحاديث السلكية واللاسلكية التي تخضع لنظام قانوني مختلف.
وده معناه إن فحص الهاتف المضبوط مش ممنوع لمجرد إن الهاتف ملك المتهم.
لكن..
▪️هل معنى إن النيابة تقدر تفحص الهاتف المضبوط إنها تقدر كمان تقول للمتهم: "اديني الباسورد"؟
هنا المسألة بتتغير.
لأن الهاتف نفسه شيء مادي تم ضبطه وأصبح تحت يد سلطة التحقيق.
لكن كلمة السر حاجة تانية.
هي معلومة موجودة في ذهن المتهم، والإفصاح عنها ممكن يكون هو الوسيلة اللي توصل سلطة التحقيق من خلالها إلى محتوى الهاتف.
ومن هنا بيظهر سؤال قانوني مهم جدًا:
▪️إلى أي مدى يجوز إجبار المتهم على إنه يساهم بنفسه في الوصول إلى دليل ممكن يُستخدم ضده؟
ودي مش مجرد فكرة نظرية. إحنا هنا قدام مبدأ مهم في الإثبات والإجراءات الجنائية، وهو إن المتهم لا يُجبر على تقديم دليل ضد نفسه.
لكن تطبيق المبدأ ده على فتح الهاتف تحديدًا، سواء بكلمة مرور أو ببصمة أو بالتعرف على الوجه، محتاج نفرق فيه بين كل صورة والتانية.
وهذا المبدأ يفتح بابًا مهمًا جدًا للمناقشة:
هل يجوز لسلطة التحقيق أن تلزم المتهم شخصيًا بالمساهمة في إنتاج أو إظهار دليل يمكن استخدامه ضده؟
وهنا بالذات لازم نفرق بين الحصول على الدليل الموجود بالفعل، وبين إجبار المتهم على اتخاذ خطوة من جانبه حتى يصبح الدليل متاحًا.
▪️طيب.. ماذا عن البصمة أو التعرف على الوجه؟
هنا الموضوع يصبح أكثر تعقيدًا.
لأن كلمة السر معلومة ذهنية يعرفها المتهم.
أما البصمة أو التعرف على الوجه فهما مرتبطان بخصائص جسدية.
فهل إجبار المتهم على وضع إصبعه على الهاتف مجرد إجراء مادي؟
ولا هو في حقيقته صورة من صور إجباره على المساهمة في الوصول إلى دليل ضده؟
هنا تحديدًا مينفعش نستعجل الإجابة.
لأن مجرد وجود سلطة قانونية لفحص الهاتف المضبوط لا يعني تلقائيًا أن كل وسيلة فنية ممكنة للوصول إلى محتواه أصبحت جائزة.
ودي نقطة مهمة جدًا في الدليل الرقمي:
مش كل حاجة ممكن نوصل لها فنيًا، يبقى بالضرورة من حقنا نوصل لها بأي طريقة قانونًا.
والأهم إننا ما نخلطش بين الحالات المختلفة.
فمثلًا، لو الهاتف كان مفتوحًا أصلًا وتم ضبطه بهذه الحالة، فدي صورة تختلف عن إجبار المتهم على إعطاء كلمة مرور محفوظة في ذهنه.
ولو كان الهاتف مؤمّنًا ببصمة، فدي صورة أخرى تحتاج بحثًا في طبيعة الإجراء وسنده القانوني.
وكل ده يخلينا أمام سؤال أوسع:
▪️هل وسيلة الوصول إلى الدليل كانت مشروعة أصلًا؟
لأن الدفاع في قضايا الأدلة الرقمية مش المفروض يبدأ فقط من:
"إيه اللي لقوه على الموبايل؟"
لكن فيه سؤال يسبق ده:
"إزاي وصلوا إليه؟"
هل الهاتف تم ضبطه بطريقة مشروعة؟
هل فحصه تم وفق الإجراءات التي رسمها القانون؟
هل الوسيلة التي تم استخدامها للوصول إلى البيانات لها سند قانوني؟
وهل الدليل الذي تم الحصول عليه كان نتيجة إجراء مشروع؟
وفي نقطة تانية لازم تكون واضحة:
رفض المتهم إنه يفتح موبايله أو يدي كلمة السر، مش معناه في حد ذاته إن الموبايل فيه دليل يدينه.
ما ينفعش نحول مجرد امتناعه عن تقديم وسيلة للوصول إلى الدليل إلى دليل مستقل على ارتكاب الجريمة.
لأن الأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وعبء إثبات الاتهام مش بيتنقل لمجرد إن المتهم رفض يساعد في تقديم دليل ضده.
ومع توسع الاعتماد على الأدلة الرقمية في القضايا الجنائية، الأسئلة دي مش هتكون استثناء.. بالعكس، هتبقى من الأسئلة اللي هتفرض نفسها بقوة على التحقيق والمحاكمة.
والسؤال مش هيبقى فقط:
"إيه الموجود على الموبايل؟"
لكن كمان:
"هل كان من حق جهة التحقيق توصل إليه بالطريقة دي أصلًا؟"
2September 2, 2026 130 3