أثبت التاريخ، بشواهده الدامغة التي لا تقبل الطعن، أن عبارة واحدة هي لا إله إلا الله محمد رسول الله امتلكت من القدرة التوحيدية ما عجزت عنه كل المشاريع القومية والإثنية والفلسفية، فهي بفضل بنيتها العقدية ومحمولها الوجودي، خلعت عن الإنسان كل هوية جزئية لتلبسه هوية كونية تحرره من أسر العرق واللون واللغة، وتلزمه من اللحظة الأولى للنطق بها أن يلغي كل حاجز بينه وبين أي مخلوق نطق الشهادة ذاتها.
بهذا المنطق الصارم انتظم تحت لوائها العربي الذي ابتدأت به، والفرسي والتركي والبربري والهندي وما وراء هؤلاء من شعوب زنجية وأوروبية وصينية، حتى صار الأذان الواحد يصدح على ألسنة شتى، يفتح صدره لكل لسان ولا يطلب مقابلاً إلا التسليم بمقتضى التوحيد: إله واحد، وشريعة واحدة، وأمة واحدة ذات رسالة خالدة.
الجزء الأول لا إله إلا الله هو نفي قاطع لكل صنم مرئي أو غير مرئي، سياسي أو اقتصادي أو نفسي، فلا يبقى في الوجود سلطان مطلق غير الحق سبحانه، والجزء الثاني محمد رسول الله هو إثبات لطريق عملي واحد يضبط العلاقة بين الإله والإنسان، فإذا جمعت هذه البنية أضداداً تفرقت عبر القرون، فتحت طريقاً لالتقاء، يقوم على معنى التعالي المشترك، وعندما انتقل الشعار من حيز اللفظ إلى حيز الفعل صار العربي يرى في الفارسي والتركي... أخاً يلصق منكبه بمنكبه في الصلاة.
وهكذا انبثقت الأمة بمدلولها الذي على ألسن العامة، فإذا داهمت محنة هرع العربي والفارسي والتركي والهندي إلى خندق واحد بلا حاجة لمفاوضات تحالف، لأن التحالف قائم أصلًا على أن حزب الله هم الغالبون، وهذه العبارة تحقن الدماغ الجمعي بدوبامين الأمل والألفة معاً، فتزيل تلقائياً حاجز الريبة بين الغرباء.
ولا مجال للريبة في أن كل مسلم أياً كان مستواه الثقافي أو موقعه الاجتماعي يختزن في وجدانه حقيقة صارمة مفادها أنه حلقة حية وفاعلة في قصة واحدة متصلة بدأت قبل ألف ونصف الألف عام، الأول يوم نادى محمد ﷺ في بطاح مكة، «قولوا لا إله إلا الله».
كل ركعة صلاة، وكل تلاوة سورة الفتح، وكل ذكر لحديث «وسيبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار» يحقن الدماغ بدفعة دوبامين معرفي تثبت في اللاوعي الجمعي فكرة الصعود الحتمي، الفرد المسلم قد يضعف أو يتكاسل أو ينسحب إلى دائرة حياته الخاصة، لكنه مع ذلك يحمل في ذهنه الأعمق تصوراً مؤكداً عن لحظة قادمة ستستأنف فيها أمته دورها، الأمر الذي يفسر سرعة الاستجابة الجماعية كلما لاح أفق تغيير.
مع المادة الحية يضاف له التاريخ الحي الذي يعمل كنظام تشغيل دائم في الوعي الجمعي للمسلمين؛ فما إن تقرع طبول معركة معاصرة حتى تنبثق من أعماق الذاكرة الجمعية صور بدر وأحد، وتستحضر في المخيال الجماعي أسامي خالد بن الوليد، وعمر بن الخطاب، وغيرهم، تحقن هذه الذاكرة الراهن بدفق من المعنى والقداسة، وتصبح كل معركة بارزة في التاريخ الإسلامي معياراً ذهنياً يعود إليه المخيال الجمعي كلما احتاج برهاناً على إمكان الفعل.
لهذا أرى الإسلام ناهضا، ما دامت مادته حية، ومادته لا تموت أبدا، ما دام أحد يؤمن بالآيات ويتلوها، عجل النهوض أو أجل، هو قادم.
28
13
6
1May 6, 2025 3.5K 5 44