انكسر ظهري في هذه الحياة ثلاث مرات.. ‏•الأولى يوم مات أبوي،… — ••|🎀 غَيْــدَاءُ — TG.ME

‏انكسر ظهري في هذه الحياة ثلاث مرات..

‏•الأولى يوم مات أبوي،
‏•والثانية يوم مات أخوي،
‏•أما الثالثة.. فكانت يوم ماتت أمي،
‏وكانت هي التي قصمت ظهري،
‏فما شعرت أنه استقام بعدها كما كان.

‏قبل وفاتها بأسبوع اتصلت بي،
‏وقالت بعتاب الأم المشتاقة لابنها:
‏"لعنبو دارك، صار لي أسبوعين ما شفتك"

‏كنت في الرياض، وهي في القصيم،
‏فقلت لها:
‏((والله يا أمي ضغط العمل،
‏لكن والله لآخذ إجازة نهاية الأسبوع
‏مع الأسبوع اللي بعده وأجيك.))

‏كنت أظن أن أمامي نهاية أسبوع.. وأسبوعا آخر..
‏وأيام كثيرة أستطيع فيها أن أعوضها عن غيابي.

‏لكن الموت كان أسرع من كل مواعيدي.
‏ووالله العظيم لم يصل آخر الأسبوع..
‏الساعة الثالثة ليلا، رن جوالي..
‏على الشاشة رقم أخوي
‏حطيت يدي على قلبي وأنا أرتجف..
‏فليس عادة أخوي يتصل بهذا الوقت..

‏وأول مارديت عليه على طول سألته:
‏وش فيكم عسى ما شر؟؟
‏ومن بين كل الأخبار التي يمكن أن يسمعها
‏الإنسان في حياته، سمعت الخبر
‏الذي تمنيتُ لو متُّ قبله وكنتُ نسيًا منسيًا:
‏((أمك تطلبك الحل))

‏الله أكبر يا قوة الفجيعة..

‏خرجت من الرياض إلى القصيم،
‏وأقسم بالله العظيم أنني طوال الطريق
‏أبكي مثل الطفل.
‏لم يكن بكاء جزع، ولله الحمد..
‏كان بكاء ابن أدرك فجأة أن:
‏كلمة ((أمي)) أصبحت منذ هذه الليلة ذكرى،
‏وأنه مهما أسرع في الطريق فلن يصل إليها
‏وهي تنتظره.

‏كنت أظن أن أمي لن ترحل قريبا؛
‏صحتها كانت مستقرة، ولم تبلغ حتى السبعين..
‏لكن الأعمار لا تقاس بالصحة ولا بالسن،
‏وإنما هي آجال إذا حضرت
‏لا تستأخر ساعة ولا تستقدم.

‏وصلتُ إلى المغسلة..
‏وهناك كان اللقاء الذي لا يشبه أي لقاء.
‏رأيتها مسجاة في كفنها..
‏اقتربتُ منها، ونظرتُ إلى وجهها الطاهر
‏للمرة الأخيرة.
‏هذا الوجه الذي رأيته منذ أن فتحت عيني على الدنيا..
‏الوجه الذي كنت أراه فأشعر أن الدنيا ما زالت بخير..
‏قبلتُ جبينها..
‏وقبلتُ وجهها الطاهر..
‏وبكيتُ حتى أغرقت دموعي كفنها.

‏وخلفي إخوتي وأخواتي وأبناؤهم
‏ينتظرون دورهم ليودع كل واحد منهم أمي..

‏أما أنا، فكنت أتمنى لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة..
‏دقيقة أخرى فقط..
‏قبلة أخرى..
‏نظرة أخرى..
‏لكنها كانت النظرة الأخيرة.
‏لم نكن نعلم أن آخر مرة سنراها فيها
‏كانت آخر مرة إلى الأبد..
‏لطالما كانت تقول عندما تعاتبنا عند تأخرنا عن زيارتها:
‏(( بيجي يوم وتجون غرفتي وتتمنون لو ما قطعتوني ))
‏لو كنا نعلم أنها المرة الأخيرة،
‏لأطلنا النظر في عيونها،
‏ولاحتضناها أكثر،
‏ولقلنا كل الكلام الذي أخرناه إلى "وقت آخر"
‏لكن الموت لا يمنحنا فرصة أخيرة.

‏يرحل الأحبة فجأة، وتبقى خلفهم أشياء لا تموت:
‏•صوتٌ نحفظه في استوديو جوالاتنا،
‏•رسائل صوتية في محادثات الوتس آب،
‏•صورةٌ ننظرُ فيها طويلا،
‏•مكان جلوسهم ونومهم،
‏وأقسى ما في الفقد ليس لحظة الرحيل..
‏بل أن تستيقظ كل صباح، وتمر الأيام والسنون،
‏ثم تتذكر الحقيقة نفسها:
‏(( أنهم لن يعودوا مهما اشتقت إليهم))

‏رحم الله أبوي،
‏ورحم الله أخوي،
‏ورحم الله أميمتي التي قصم رحيلها ظهري،
‏ورحم الله أحبة رحلوا عن أعيننا
‏ولم يرحلوا يوما عن قلوبنا.

🔘 خاتمة:
‏نصيحة من رجل ذاق مرارة الفقد:

‏اشبعوا ممن تحبون ما داموا حولكم..
‏اشبعوا من وجوههم،
‏من أصواتهم،
‏من حديثهم،
‏من ضحكاتهم،
‏من مجالسهم،
‏ومن تفاصيلهم الصغيرة التي تظنون اليوم أنها عادية؛
‏فوالله ستصبح يوما أثمن ذكريات العمر.

‏لا تؤجلوا زيارة، ولا حضنا،
‏ولا قبلة على رأس أم أو أب،
‏ولا كلمة "أحبك" و "اشتقت لك" إلى وقت آخر..
‏فقد يأتي ذلك "الوقت الآخر" ولا تجدونهم فيه.

‏أنا مثلكم كنتُ أظن أن أمامي
‏أسبوعا أذهب فيه إلى أمي..
‏لكن الموت لم يستأذنني حين أخذها.

‏فاللهمَّ إن الدنيا قد فرقت بيني وبينهم،
‏فلا تجعل فراقنا أبديا،
‏واجمعني بهم في جنة لا موت فيها،
‏ولا غياب، ولا وداع، ولا فراق.

د.تركي
😭9❤8💔5
August 21, 2026 1K 19