إن العقل المُرتهن بالمُدرَكات لا يعي سوى الأفكار، والصور، والمشاعر، والأحاسيس، والتصورات. وحين يُمِّم وجهه شطر الكينونة، فإنه يفقد كل هذه الأشياء، فيخال هذا الغياب خواءً وعدماً موحشاً. وإذا ما قورنت هذه الحالة بالفورة الصاخبة للأفكار والمشاعر، فإنها تبدو باعثة على السأم. هنا يتململ العقل، وللفرار من وحشة هذا الملل، يثب عائداً إلى دوامة التفكير. بعبارة أخرى، يرى العقل في الكينونة مللاً؛ لأنه يقيسها دوماً بمقياس محتوى التجربة.
أما في التجربة الخالصة للكينونة ذاتها - حين يعي الوجود ذاته - فلا أثر لذاكرة التجارب، ومن ثمّ يتلاشى أي شعور بالنقصان.
في عُرف العقل؛ التأمل سأم. وفي عُرف كينونتك؛ التأمل طمأنينة وسلام.
وفي غياب أي ذاكرة لتجاربك السالفة، فإنك لا تُسقط شبح الخواء والعدم على تجربة الكينونة، ولذا ينتفي لديك الدافع للفرار نحو التفكير أو الاستسلام لغيبوبة النوم؛ فكلاهما محض هروب. أنت حينها تكتفي بالاستقرار في ذاتك، بوصفك الذات الخالصة.
يتخذ التأمل عند الكثيرين شكل صراعٍ بين التفكير والملل. فالتجربة تُثير الشغف، وانعدامها يُورث السأم. لكن كينونتك الحقيقية تقبع وراء التجربة وانعدامها معاً؛ إنها السلام المحض.
التجربةُ شَغَف، وانعدامها سَأم، أما الكينونةُ فسلام.
حين تدرك كينونتك على جوهرها الحق، فإنك لا تراها عبر حُجب الذاكرة أو التوقعات. ففي كينونتك لا مكان للنقصان، ولهذا يغيب أي دافع للهروب إلى التفكير أو النوم. أنت فقط تستريح في ذاتك، كذاتك، بلا أدنى سعي أو عناء.
تخيل أنك في غرفتك في هزيع الليل. الظلام يحف بك من الخارج، لكن المصباح مُضاء، فترى كل ما حولك بوضوح. ثم تطفئ المصباح، فترى الظلام. إن "الوعي" الذي كان يُبصر الأشياء قبل قليل، هو ذاته "الوعي" الذي يُبصر الآن الظلام، أي غياب الأشياء. هذا الوعي يظل مُشعاً بنفس القوة في حالتي حضور الأشياء وغيابها. إنه يُنير كلتيهما بذات النور الساطع المنبثق من المعرفة الخالصة.
وكذلك هو الحال في التأمل. إن الوعي الذي يُدرك ما يعترينا في حالتي اليقظة والأحلام، هو بعينه الوعي الذي يُدرك عتمة النوم العميق. في التأمل، أنت ببساطة تدرك نفسك بوصفك هذا الوعي؛ هذا الوجود الواعي الذي لا يُكدِّر صفوه محتوى التجربة ولا انعدامها. أنت تظل كما أنت، ثابتاً لا تتغير.
ليس التأمل إدراكاً لِما تحتويه التجربة، ولا هو إدراكٌ لانعدامها؛ بل هو الإدراك لِـ "كمال الكينونة وامتلاء الوجود".
في التأمل، لا يوجد ارتهان أو تعلق بمحتوى التجربة، ولا سأم أو تململ عند غيابها. إن الشغف الذي ينتاب العقل إبان التجربة، والسأم الذي يعتريه في غيابها، ليسا سوى حالتين من حالات العقل. والوعي يشهدهما معاً على حد سواء. أنت - بصفتك الوعي - لا تستفزك التجربة، ولا يُسئمك غيابها. أنت تظل حاضراً وحسب، منفتحاً، يقظاً، ومُتنعماً بالسلام.
في التأمل، أنت تقتفي أثر خطاك عائداً عبر طبقات التجربة، لتصل في بادئ الأمر إلى نقطة "انعدام التجربة". هذا الانعدام سأم لا سلام. فلا تدع غواية الهروب من هذا السأم تردك إلى عالم التجارب مرة أخرى، لتعود إلى التفكير والإدراك، ولا تتهرب منه بالانزلاق إلى النعاس. بل اسبر أغواراً أعمق، وغُص إلى ما هو أبعد.
روبرت سبيرا
ترجمة: محمود شاهين
#شعلة_نور
4