سرحتُ مع نفسي قليلاً، وأخذتُ أقلب في خزانة الصور، كنتُ أقلب الصور واحدةً بعد أخرى بلا مقصد، حتى ظهرت أمامي صورة التقطتها بنفسي، فتوقفت عندها طويلا وأنا أحاول أن أتذكر، متى التقطت هذه الصورة؟ وأين كنت؟ ولماذا أخرجت هاتفي يومها وصورت هذا المشهد تحديدًا؟ لم أجد جوابًا، كان المشهد أمامي في الصورة واضحًا بكل تفاصيله، أما في ذاكرتي فلم يكن له وجود تقريبًا.
ثم وجدت صورة أخرى، وكانت أجمل من الأولى بكثير، تأملت تفاصيلها وانبهرت بها، الضوء في مكانه، والسماء على هيئة لا تتكرر، وتفصيل صغير في زاوية الصورة لم أكن لأنتبه إليه الآن لولا أن الكاميرا حفظته لي، لكن الذي أدهشني أكثر أنني لم أتذكر أنني انبهرت بهذا المشهد يوم رأيته على أرض الواقع، بل لم أتذكر منه أي معنى أصلا! شعرت بشيء غريب وأنا أنظر إلى الصورة، كأنني أكتشف ذكرى تخصني، لكنني لم أعشها بما يكفي لأتذكرها.
هل شغفنا بتصوير الأشياء وتكديس الذكريات طغى على عيش اللحظة نفسها والاستمتاع بها؟
ربما نحن أول جيل استطاع أن يحتفظ بكل شيء تقريبًا، نصور وجوه من نحب، وأماكن نذهب إليها، والطعام الذي نأكله، والطرقات التي نمشي فيها، والسماء التي ننظر إليها، وحتى اللحظات العابرة التي لم تكن تحتاج يومًا إلى أكثر من أن نعيشها ثم نمضي، صارت هواتفنا أرشيفًا ضخمًا لحياتنا، حتى إن الهاتف أحيانًا يعرف عن أيامنا أكثر مما نعرف نحن عنها؛ يعرف متى كنا في هذا المكان، ومتى التقطنا تلك الصورة، وما الذي سبقها وما الذي جاء بعدها، بينما نعجز نحن عن تذكر شعورنا في تلك اللحظة.
وهذه هي المفارقة التي تستوقفني، لقد أصبحنا بارعين في حفظ اللحظات، وضعفنا في عيشها، تخيل أنك تجلس أمام منظر جميل، فتكون أول فكرة تخطر لك: كيف أصوره؟ وأي زاوية ستكون أجمل؟ ثم تلتقط الصورة، وربما تلتقط عشر صور أخرى، ثم تعدلها، ثم تحفظها، وربما تنشرها، ثم تنتظر من الناس أن يروا ما رأيت، وبينما تفعل كل ذلك يكون المشهد نفسه قد مضى! الشمس غربت، والسماء تغير لونها، والقهوة بردت، واللحظة التي كنت تريد أن تحتفظ بها أصبحت ذكرى قبل أن تمنحها حقها من النظر.
هواتف ممتلئة بالصور، وذاكرة فارغة من المعاني والمشاعر.
أبو مسلم.
September 7, 2026 2.6K 64