تَحْتَ سَمَاءِ الأُمْسِيَّةِ حَيْثُ يَذُوبُ اللَّيْلُ فِي حُلْكَةِ الأُفُقِ وَقَفْتُ. كُنْتُ شَبَحًا بِلَا ظِلٍّ، لَعْنَةً مَحْفُورَةً عَلَى جُدْرَانِ الوُجُودِ، لَا أَمْلِكُ إِلَّا صَمْتِي الَّذِي يَتَرَدَّدُ كَصَدَى فِي فَرَاغٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ. كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَا، عَنْ ضَوْءٍ يَكْسِرُ عُتْمَتِي، عَنْ نَسْمَةٍ تَهْدُرُ عَلَى أَحْلَامِي كَسَيْفِ جَلَّادٍ.
كَانَتْ رُوحِي قَيْدًا، سِجْنًا مُظْلِمًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَكَانَ جَسَدِي مَجَرَّدَ قِشْرَةٍ فَاسِدَةٍ تَرْتَعِشُ فَوْقَ جَحِيمٍ يَغْلِي. اِنْحَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي كَمَنْ يَضُمُّ جُثَّتَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، مُحَاوِلًا إِحْتِوَاءَ مَا تَبَقَّى مِنْ أَشْلَائِي. كَانَتِ ابْتِسَامَتِي خَنَجَرًا يَشُقُّ وَجْهَ لَيْلِي، وَضِحْكتي هُوَّةً سَوْدَاءَ تَبْتَلِعُ آخِرَ ذَرَّاتِ رَحْمَةِ فِي هَذَا الْكَوْنِ.
وَفَجْأَةً، تَفَتَّقَ ظَهْرِي، لَا بِوَجَعٍ، بَلْ بِمَوْلِدٍ دَامٍ. اِنْشَقَّ جَسَدِي كَجِرَاحٍ قَدِيمَةٍ لِتَنْبُتَ جَنَاحَانِ حَالِكَانِ، كَانَا أَكْثَرَ مِنْ حُلْمٍ؛ كَانَا عِصْيَانًا صَامِتًا عَلَى ثِقَلِ الأَرْضِ، وَعَلَى كُلِّ جُرْحٍ حَفَرَهُ الزَّمَنُ فِي لَحْمِي. كَانَا كُلَّ مَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَقُولَهُ، كُلَّ مَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَفْعَلَهُ.
لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. تَرَكْتُ جَسَدِي وَرَائِي كَجُثَّةٍ مُعلَقَةً عَلَى حِبَالِ الذِّكْرَى، وَطِرْتُ
طِرْتُ بِلَا وَجْهَةٍ، بِلَا هَدَفٍ أَتَّبِعُ نِدَاءَ غُمَامَةٌ سَوْدَاءَ تُغْرِقُ السَّمَاءَ.
أَصْبَحْتُ لَعْنَةً تُهَمْهَمُ فِي أُذُنِ الوُجُودِ، حُلْمًا مَسْمُومًا لَا يُفَسَّرُ، أُنْشُودَةً لِلظِّلَالِ لَا تُسْمَعُ. تَتَخَبَّطُ فِي بَحْرٍ مِنْ ضَوْءٍ كَابُوسِيٍّ، كَأَنَّ كُلَّ شُعَاعٍ يَحْرِقُ جَنَاحَيَّ. أمْسَيتُ عُثَّةً بِلَا جَنَاحَيْنِ، أزحَفُ عَلَى جُثَثِ أَحْلَامِي الَّتِي أَحْرَقَهَا الضَّوْءُ أَصْبَحْتُ الفَرَاغَ نَفْسَهُ، أَحْتَضِنُ كُلَّ مَا كَانَ وَكُلَّ مَا لَنْ يَكُونَ، وَأَضْحَكُ، ضِحْكَةً مَسْمُوعَةً فِي كُلِّ جَحِيمٍ.