ضعوا أبناءكم في طريقِ القرآن 🌧️ 🌱
من أجلِّ ما يصنعه الأبُ لولده أن يأخذ بيده في أولِ الطريقِ، فيضعه في رحابِ القرآنِ؛ فإن الصغيرَ إذا نشأ والقرآنُ صاحبُه، والمسجدُ مألفُه، وحلقةُ التحفيظِ مجلسُه، والصالحونَ رفقتُه، فقد هيَّأ له أبوه من أسبابِ الهدايةِ ما لا تهيئه الأموالُ، ولا تصنعه المدارسُ، ولا تعوِّضه هدايا الدنيا كلُّها.
إنك قد تعطي ولدَك مالًا فيفنى، وبيتًا فيَبلى، وشهادةً تنفعه في دنياه؛ ولكنك لن تعطيه عطاءً أجلَّ من أن تدلَّه على كتابِ اللهِ، وتحبِّبه إليه، وتسلك به سبيلَ أهلِه؛ حتى ينشأ ولسانُه رطبٌ بآياتِه، وقلبُه معمورٌ بمعانيه، وأذنُه مألوفةٌ لتلاوتِه.
وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال النبيُّ ﷺ: «خيرُكم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمه». وأخبر ﷺ عن رفعةِ أهلِه فقال: «إن اللهَ يرفع بهذا الكتابِ أقوامًا، ويضع به آخرينَ».
وحلقاتُ القرآنِ ليست مكانًا لحفظِ السورِ والآياتِ فحسب؛ بل هي بيئةٌ يتربى فيها الصغيرُ على تعظيمِ كلامِ اللهِ، وملازمةِ المسجدِ، وصحبةِ أهلِ الخيرِ، واحترامِ المعلِّمِ، وضبطِ الوقتِ، ومجاهدةِ النفسِ على الحفظِ والمراجعةِ. وكم من فتىً كانت الحلقةُ أولَ الطريقِ إلى استقامتِه، وكم من قلبٍ صغيرٍ تعلَّق بالمسجدِ والقرآنِ، فكان ذلك سياجًا له حين هبَّت عليه رياحُ الفتنِ في شبابِه.
وفي زمنٍ تتنازع فيه أبناءَنا الشاشاتُ، وتزدحم حول قلوبِهم المؤثراتُ، وتصل إليهم الفتنةُ وهم في غرفِهم؛ تصبح العنايةُ ببيئةِ الابنِ وصحبتِه من أعظمِ واجباتِ التربيةِ.
يا أيها الأبُ، ويا أيتها الأمُّ: لا تستصغروا تلك الخطواتِ التي يمشيها صغيرُكم كلَّ يومٍ إلى حلقةِ تحفيظ القرآنِ؛ فلعلَّ آيةً يحفظها اليومَ تكون نورًا له في دينه ودنياه، ولعلَّ معلِّمًا صالحًا يراه في الحلقةِ يغيِّر مجرى حياتِه، ولعلَّ صاحبًا صالحًا يعرفه هناك يصرف اللهُ به عنه صاحبَ سوءٍ، ولعلَّ تعلقًا مبكرًا بكتابِ اللهِ يكون سببَ ثباتِه إذا اضطربت من حولِه السبلُ.
فإن أردتَ أن تورِّث ولدَك ميراثًا لا تأكله الأيامُ، فحبِّب إليه القرآنَ، وقرِّبه من أهلِه، واجعل في وقته نصيبًا ثابتًا من حلقاتِه، وتابع حفظَه وشجِّعه، وافرح بالآيةِ يحفظها أكثرَ من فرحِك بدرجةٍ ينالها؛ فإن الدرجاتِ تفتح له أبوابَ الدنيا، وأما القرآنُ فيفتح له أبوابَ الهدايةِ في الدين والدنيا، ويرفعه اللهُ به في الآخرةِ.
فاجعل القرآنَ من أوائلِ ما تهدي إلى ولدِك؛ فما أعان أبٌ ابنَه على طريقٍ أشرفَ من طريقِ القرآنِ، ولا خلَّف له زادًا أبقى من قلبٍ عرف كلامَ اللهِ، وأحبَّه، وعاش في صحبتِه.
أ.طلال الحسان
13
1September 3, 2026 615 2