التحفيز الفارغ.. وصناعةُ الوهم 🌿 من آفات هذا العصر؛ ذلك التحفيز… — فاتحون🔻 — TG.ME

التحفيز الفارغ.. وصناعةُ الوهم 🌿

من آفات هذا العصر؛ ذلك التحفيز الفارغ الذي يُطعم النفوسَ الأماني، ثم يتركها خاويةً من العمل؛ يُقال للمرء: أنت قوي، أنت عظيم، تستطيع كل شيء، أطلق طاقاتك، وآمن بنفسك! حتى يخيَّل إلى الكسول أن بينه وبين النجاح كلمةً يرددها، أو شعورًا جميلًا يستحضره.

والحياة لا تعرف هذه اللغة؛ فلها قانونٌ صارم لا يحابي أحدًا: من زرع حصد، ومن جدَّ وجد، ومن صبر ظفر، ومن آثر الراحة دفع ثمنها من مستقبله.

إن أردتَ العلم؛ فثَمَّ ساعاتٌ طويلة من القراءة، وحفظٌ ومراجعة، وتعبٌ لا يراه الناس. وإن أردتَ نجاحًا في تجارة أو مهنة أو مشروع؛ فثَمَّ بداياتٌ شاقة، ومحاولاتٌ تخفق، وأيامٌ يطول فيها العمل ويقصر النوم. وإن أردتَ إصلاح نفسك؛ فثَمَّ مجاهدةٌ للهوى، وضبطٌ للرغبات، وحملٌ للنفس على ما تكره حتى تألفه.

ولذلك قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾؛ فقبل الهداية مجاهدة، وقبل الوصول طريق، وقبل الثمرة غرسٌ وسقيٌ وانتظار.

لا تقل للكسول: أنت عظيم، ثم تتركه في فراشه؛ بل قل له: قُمْ! فإن للعظمة ثمنًا، وللنجاح ضريبة، وللمعالي أبوابًا لا تفتحها الأماني، وإنما تفتحها يدٌ تعمل، ونفسٌ تصبر، وعزيمةٌ كلما تعبت قالت: بقي من الطريق شيء.

لسنا بحاجة إلى من يُضخِّم شعورنا بأنفسنا، بقدر حاجتنا إلى من يعلِّمنا أن نحمل أنفسنا على العمل. فما كلُّ من قيل له: أنت تستطيع، استطاع؛ ولكن من بدأ، وصبر، وداوم، وضبط نفسه، ودفع الثمن؛ فهو الذي يوشك أن يصل ويحقق بإذن الله

فالنجاح لا تصنعه كلمات التحفيز الفارغة، وإنما تصنعه الساعات التي تُبذل، والراحة التي تُترك، والنفس التي تُحمل على المكاره؛ حتى تبلغ ما تريد.

وذكر بعضهم -في شيءٍ من الطرافة الموجعة- أنه أكثر من حضور دورات التحفيز، وسمع طويلًا حديث: أنت عظيم، وأنت قادر، وفي داخلك طاقات هائلة، ولا شيء يقف في طريقك! ثم قال بعد زمن: «أشعروني أني عظيم وأنا شخص عادي، وأنني منجز وأنا فارغ!»

وهي عبارة ساخرة، ولكن وراء سخريتها حقيقةٌ جديرة بالتأمل؛ فإن تضخيم الشعور بالذات لا يصنع إنسانًا عظيمًا، وإيهام المرء بأنه منجز لا يضيف إلى رصيده إنجازًا واحدًا. العظمة تُبنى لبِنة لبِنة، والإنجاز يُصنع بيد مرتعشة من العناء، والنجاح لا يعترف إلا بما قدَّمت يداك.

وليس معنى هذا أنَّ النجاح ثمرةُ الجهد وحده، وأنَّ الإنسان يبلغ بقوته ما شاء؛ فهذه آفةٌ أخرى لا تقلُّ خطرًا عن آفة الأماني. فالعبد يعمل، ولكن الله يوفِّق؛ ويسعى، ولكن الله يفتح؛ ويبذل الأسباب، ولكن النتائج بيد الله وحده.

ومن هنا كان المؤمن أبعدَ الناس عن التحفيز الفارغ، وأبعدَهم كذلك عن الاغترار بقدراته؛ فهو يسمع قول نبيه ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»؛ فجمع له في كلماتٍ ثلاث قانونَ السير كلِّه: حرصٌ يبعثه على العمل، واستعانةٌ تخلع قلبه من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، ومجانبةٌ للعجز تمنعه من القعود والكسل.

وكم من ذكيٍّ خذله ذكاؤه، وقويٍّ خانته قوته، ومجتهدٍ طال طريقه؛ وكم من عبدٍ صدق افتقاره إلى الله، فأخذ بالأسباب، وأكثر من الدعاء، ففتح الله له من أبواب التوفيق ما لم يكن في حسابه.

فالنجاح ليس أمانيَ بلا عمل، ولا عملًا بلا افتقار؛ وإنما سعيٌ بالأسباب، وقلبٌ معلَّقٌ بربِّ الأسباب.
❤30👍1
August 26, 2026 1.4K 1 20