جلست اليوم بعد صلاة العشاء في أحد مساجد العاصمة عمّان، لينزاح بصري تلقائيا إلى لوحة كبيرة مثبتة تحوي أذكار ما بعد الصلاة ... وقعت عيناي منها على مقطع: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت" ... فأعادتني العبارة إلى ماضٍ بعيد يقدر بأكثر من عشرين عاما، عندما كنت على مقاعد المدرسة ما زلت، أقرأ العبارة ذاتها وأتساءل عن معناها، وها أنا ذا اليوم أعرف ذلك بالتجربة لا بالتنظير.
لن تعرف "حتمية الرزق" إلا بعد أن تخبرها، فما كُتب لك سيصلك ولو بعد حين ... وقد يصلك بعد أن تكد وتتعب لأجله، وأحيانا وأنت لا تبذل إليه جهدا يُذكر ... لكنه سيصلك في نهاية المطاف، بالقدر والكمية المكتوبة في علم الله المسبق ... وما مُنع منك لن تصله ولو حرصت وخططت وأعددت له ... ستدرك ذلك في النهاية لا محال!
ولما كان كل ذلك غيبا عنك، كان المطلوب منك السعي، والسعي وحده ... لكنه سعي يجب أن ينفصل عن شدة التعلق بالنتيجة المرجوة، فهذه ليست من اختصاصك، ولكن من اختصاص موزع الأرزاق ومانحها ... وله في ذلك حكمة قد تبدو لك أو تخفى عنك ... لكن عظيم همك وحزنك بفوات رزق ما رغم السعي إليه لن يفيد بشيء.
ولما كان رزقك المقدّر واحدا لا يزيد ولا ينقص، كان الأولى بك والأعقل أن تطلبه بما يرتضيه لك موزع الارزاق ومقسمها، لا بما يحرمّه عليك وينهاك عنه ... ولك أن تتخيل مثلا أن ثريا جمع ماله بالحرام والموبقات كان مقدرا له أن يجمع الرزق ذاته لو سعى له بالحلال والمباح!
وهذا الإيمان وهذا التسليم هو المراد من رسالة الإسلام ككل: أن تفوض أمرك كله لله، فهو وحده المعطي المانع ... وأن لا تسأل أحدا سواه، فهو الوحيد المستحق للدعاء والسؤال ... فيخرج المسلم إذا ما عمل بمقتضى ذلك عزيز النفس، قليل الهم، راضٍ بما وصله من الرزق، وساعٍ إليه بما أحله الله له من وسائل وطرق.
ورحم الله القائل:
وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي ... وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ
وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ ... وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ
إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ ... فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ
#إذا_أعطاك_فاشكر_وإذا_منعك_فافهم
(من الأرشيف)
منقول
29August 22, 2026 1.4K 1 12