ذاك الذي يُلقي على الأمور أثوابًا من العظمة، يُزيّن التفاهات حتى تبدو… — لـ فَـرَح أُسَـٰــامَة. — TG.ME

ذاك الذي يُلقي على الأمور أثوابًا من العظمة، يُزيّن التفاهات حتى تبدو في عينيه جبالًا شاهقة، ويخوض في تفاصيل لا تسمن ولا تغني من يقين، يلتقط من الكلمات أخشنها، ومن الأفعال أصغرها، ثم ينفخ فيها حتى تصير هولًا يُثقله ويمضي به إلى حيث لا غايةَ ولا وصول، ومن الحماقة أنه يربط قلبه بأوهامٍ لو أمعن النظر فيها، لوجدها كسرابٍ يحسبه الظمآن ماء، يا لهذا المسكين! يصنع من الحبة جبلًا، ومن النظرة حكمًا، ومن العابر قدرًا محتومًا، أهكذا تُعاش حياة؟
ألا يدري أن المبالغة في تأويل التوافه شَرَكٌ ينصبُه الإنسان لنفسه؟ ألا يعلم أن من منح عمره لوهمٍ صغير؛ فقد بذّر أيامه فيما لا يُثمِر، وأسلم روحه لعناءٍ لا مبرّر له؟
ما أقسى أن يعيش المرءُ في صورةٍ لن تكون! يزخرفُ أحلامًا لن تمسّ واقعه يومًا، ويُلبس المواقف ما ليس فيها، فلا هو يحيا حقيقةً، ولا ينال من الوهم إلا التعب! أفلا يدرك أن في الحياة ما هو أسمى من هذا العناء؟ وأن العمر أثمن من أن يُهدَر في تعظيم ما خفّ وزنه وسقطت قيمته؟

فيا غارقًا في أوهامك، أفق من سباتك، وانظر إلى الحياة بعينٍ ترى جوهرَها، ودع عنك تضخيم ما لا يستحق؛ فالعمر أقصر من أن يُبذَل في تفاهاتٍ لن تزيدك إلا تعبًا، ولن تهبك سوى سرابٍ يفرّ من بين يديك كلما دنوت منه.
March 15, 2025 734 5