لم أكن أشبه "عروة" في يوم ما، لكنك أصبحتِ بطريقة ما "هناء"، تلك الشخصية التي تشكلت على دهشة التناقضات.
في البداية كنتِ شفافة جدًا، وأكثر نقاءً من زجاجة ماء عذب، وبذلك الصفاء الذي يسمح برؤية أحلامي العظيمة فيكِ.
صحيح، لم تكن البداية مثالية جدًا كما هو مخوّل لها أن تكون، لم تسأليني عن يومي المفضل مثلًا، ولا عن أي من اهتماماتي العادية، إلا أنني كنت أحبذ أن تسألي، ولو على هيئة استفسار عابر. إجابات غفيرة لقيت حتفها حينها، كانت يجب أن تمضي إليكِ، ربما وجدت عوضًا عن هذه الأشياء ما تبوح به عيناكِ، الكثير من الأسئلة التي كانت تبني لهفة البدايات وتمسح عنا جراحات الشجن..
لا أعلم حقيقةً تلك الضبابية التي تكونت مع الوقت، لتشاركني فيكِ غموض كل شيء، ولتربكني تلك الحيرة التي كشفت فيّ لغة التلعثم، أنا الذي اعتقدت قبلكِ بأن كل شيء خاضع للمعنى الذي نملك تفسيره في ذواتنا، ما دمنا نعيشه واقعًا لا حلمًا.
لا أعلم كيف دفعني ذلك الغموض، دون أي تخطيط مسبق، لقراءة "الليالي البيضاء"، ووجدتك هناك في نيستكا البريئة، وهكذا بدأت تمثلين ذاك الدور في خلدي بكل مصداقية، دون أن يتبادر إلى ذهني ذرة شك بأنكِ لستِ أنتِ من كُتبت قصتها هناك.
أنا هنا لا أدعي بأن ثمة شخصًا آخر كان هو المعني بكل شيء، لكنكِ كنتِ تعيشين ذاك الدور كما لو أنكِ تنتظرين شخصًا ما، وليس بالضرورة أن يكون شخصًا بعينه، قد يكون مجرد شعور منقوص لم يأتِ بما كانت ترنو إليه خدعة التوقعات، أو تعزي ذاك الصدق في لهفة البدايات، ربما شيء آخر كلانا نجهله، كدافع خفي يحرمنا لذة اكتمال البدر في حضن الوجود..
مرورًا بـ"الأبله"، الذي وقفت مندهشًا عنده: أي شخصية كنتِ أنتِ، يا دمعتي الحائرة في متاهة المعنى؟ كنت أرى فيكِ كبرياء وغرور ناستاسيا المتمردة، وأرى فيكِ ذاك الجرح النفسي العميق، وهو يقض مضاجع الندم في غمرة السكون، وتارة أخرى كنتِ ذكية وجميلة ورومانسية مثقفة، تحبين تفاصيل الحياة كما لو أنكِ "إيفانوفنا".
إنه من البديهي أن تقف كالأبله أمام فتاتين مختلفتين كليًا، ثم تتعامل مع كل منهما بما تجود به قريحتك نحوهما، لكن أن تقف أمام فتاة اجتمعت فيها كل تلك الشخصيات، محاولة فهم ما ترنو إليه، محض هراء. تخالف كل التوقعات، لا تترك لك فرصة أن تكون انطباعًا معينًا، حتى تدهشك بالنقيض.
أخبريني، أي نوع من النساء أنتِ يا شقاوة؟
ما كل هذا التشظي والشتات؟
روايات كثيرة تلك التي جسدت شيئًا منكِ، ولو أنني ذكرت هنا كل موضع وجدتكِ فيه، لكنت قلتِ عني: مجنون يستعرض ما يقرأ ليس إلا..
المصيبة أنكِ ربما تجهلين كل هذا الخراب الذي استحل صدري، ولم تكن قراءتي إلا محاولة للخروج من دائرة الغموض هذه التي أعيشها معكِ، وربما كنتِ تعيشين حياة عادية كأي فتاة جميلة، إلا أنني، ومن هول تولهي بكِ، عشت تناقضات مجنونة فعلًا؛ لأن فتاة مبهرة مثلكِ لا يمكن أن تكون عادية كأي فتاة..!💥
