غيّر الذكاء الاصطناعي أشياء كثيرة في حياتنا. أصبح بإمكانه أن يكتب،… — أسرار النفس وتطوير الذات🧠 — TG.ME

غيّر الذكاء الاصطناعي أشياء كثيرة في حياتنا. أصبح بإمكانه أن يكتب، ويبحث، ويلخص، ويقترح الأفكار، ويجيب عن الأسئلة خلال ثوانٍ. وهذا أمر مفيد بلا شك. لكن هناك سؤالًا آخر يستحق أن نفكر فيه: ماذا يحدث لنا عندما تصبح الإجابة جاهزة قبل أن نحاول التفكير فيها بأنفسنا؟

تخيل شخصًا يريد كتابة رسالة عمل. يتوقف عند جملة، ولا يعرف كيف يصوغها. بدل أن يحاول قليلًا، يفتح الذكاء الاصطناعي ويكتب له الفكرة. خلال ثوانٍ تظهر جملة مرتبة وجاهزة، فينسخها ويكمل عمله.

يبدو الأمر بسيطًا جدًا، وربما لا توجد فيه أي مشكلة.

لكن ماذا لو كان هذا يحدث معنا عشرات المرات كل يوم؟

كل مرة نحتار فيها، نسأل الآلة. وكل مرة لا نعرف كيف نبدأ، نطلب منها أن تبدأ عنا. وكل مرة نواجه مشكلة، نبحث عن حل جاهز بدل أن نجرب التفكير فيه أولًا.

مع الوقت، قد لا تكون المشكلة أن الذكاء الاصطناعي أصبح يفكر بدلًا منا، بل أننا أصبحنا نطلب منه التفكير قبل أن نعطي أنفسنا فرصة للتفكير.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.

الإنسان يتعلم من المحاولة. عندما نحاول كتابة فكرة ولا نجد الكلمات المناسبة، فنحن لا نبحث عن الكلمات فقط؛ نحن نرتب أفكارنا أيضًا. وعندما نحاول حل مشكلة، فإننا لا نبحث عن الحل فقط؛ بل نتعلم كيف نفكر في المشكلة.

أما عندما نحصل على الإجابة مباشرة، فنحن نوفر الوقت والجهد، وهذا جيد أحيانًا، لكننا قد نفقد جزءًا من الطريق الذي كان سيعلمنا شيئًا جديدًا.

وقد بدأت بعض الدراسات تبحث في هذا الأمر. ففي دراسة من معهد ماساتشوستس للتقنية، قارن الباحثون بين أشخاص كتبوا بالاعتماد على أنفسهم، وآخرين استخدموا محرك بحث، وآخرين استعانوا بالذكاء الاصطناعي. وظهرت اختلافات في نشاط الدماغ وفي قدرة بعض المشاركين على تذكر ما كتبوه. لكن هذه النتائج لا تعني أن الذكاء الاصطناعي يضعف الدماغ بشكل عام؛ فهي تتعلق بمهمة محددة، وما زال هذا المجال بحاجة إلى مزيد من البحث.

وفي دراسة أخرى أجرتها Microsoft Research بالتعاون مع جامعة Carnegie Mellon، وجد الباحثون أن طريقة استخدام الشخص للذكاء الاصطناعي مهمة جدًا. فمن يثق بالآلة بشكل كامل يكون أقل ميلًا إلى مراجعة إجاباتها والتأكد منها، بينما من يتعامل معها كمساعد أو نقطة بداية يكون أكثر مشاركة في التفكير والمراجعة.

وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة: الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة عدوًا للتفكير.

يمكن أن يكون العكس تمامًا.

يمكن أن يساعد شخصًا لا يعرف كيف يبدأ، ويعطيه أفكارًا جديدة، ويساعده على فهم موضوع صعب، ويوفر عليه وقتًا طويلًا. وقد وجدت دراسة في مجال الكتابة الإبداعية أن استخدام الذكاء الاصطناعي ساعد بعض الكتّاب على إنتاج قصص أفضل، خصوصًا الذين كانوا أقل قدرة على الكتابة.

لكن الدراسة نفسها كشفت مفارقة مثيرة: القصص التي كتبها الأشخاص بمساعدة الذكاء الاصطناعي كانت أكثر تشابهًا مع بعضها.

وهذا يجعلنا نتوقف عند سؤال آخر:

هل يمكن أن يجعلنا الذكاء الاصطناعي أفضل كأفراد، لكنه يجعل أفكارنا أكثر تشابهًا كمجموعة؟

فإذا طلبنا جميعًا من الأدوات نفسها أن تعطينا الأفكار نفسها، فقد نحصل على نصوص أكثر ترتيبًا، وحلول أكثر سرعة، لكننا قد نخسر شيئًا مهمًا: الاختلاف.

والاختلاف هو أحد أسباب الإبداع.

لذلك ليست القضية أن نرفض الذكاء الاصطناعي، ولا أن نعتمد عليه في كل شيء.

القضية هي أن نعرف متى نستخدمه، ومتى نستخدم عقولنا أولًا.

يمكن أن نطلب منه أن يراجع ما كتبناه، بدل أن يكتب كل شيء عنا. ويمكن أن نطلب منه أن يقترح أفكارًا بعد أن نحاول نحن أولًا. ويمكن أن نستخدمه لشرح فكرة لم نفهمها، بدل أن نسمح له بأن يمنعنا من محاولة فهمها.

والأهم من ذلك كله: ألا نسمح للسرعة بأن تجعلنا ننسى قيمة المحاولة.

ليس مطلوبًا أن نفكر وحدنا في كل شيء. هذا غير عملي، وربما غير منطقي. لكن من المفيد أن نترك لأنفسنا أحيانًا فرصة للتجربة والخطأ والبحث، حتى لو كانت الآلة قادرة على إعطائنا الإجابة في ثوانٍ.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون واحدًا من أعظم الأدوات التي صنعها الإنسان، لكن قيمته تعتمد على الطريقة التي نستخدمه بها.

المشكلة ليست أن الآلة أصبحت قادرة على التفكير. المشكلة أن الإنسان قد يعتاد الحصول على الإجابة قبل أن يحاول التفكير.

ولهذا، ربما يكون السؤال الذي نحتاج إلى تذكره كلما فتحنا نافذة جديدة للذكاء الاصطناعي هو:

هل أحتاج فعلًا إلى أن تجيب الآلة عن هذا السؤال، أو أنني أحتاج أولًا إلى أن أحاول الإجابة عنه بنفسي؟
--------------
د. عبد الكريم بكار
👍9💯6❤5🥰1
August 21, 2026 4K 16