فَقَالَ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ أَ عَلَيْنَا تُلَبِّسُ وَ تُشَبِّهُ! قَدْ أَجْلَسْتَ مَرَدَةً مِنْ أَصْحَابِكَ خَلْفَ صُخُورِ هَذَا الْجَبَلِ، فَهُمْ يَنْطِقُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَ نَحْنُ لَا نَدْرِي أَ نَسْمَعُ مِنَ الرِّجَالِ أَمْ مِنَ الْجَبَلِ! لَا يَغْتَرُّ بِمِثْلِ هَذَا إِلَّا ضُعَفَاؤُكَ- الَّذِينَ تَبَحْبَحُ فِي عُقُولِهِمْ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَتَنَحَّ عَنْ مَوْضِعِكَ هَذَا إِلَى ذَلِكَ الْقَرَارِ، وَ أْمُرْ هَذَا الْجَبَلَ أَنْ يَنْقَلِعَ مِنْ أَصْلِهِ، فَيَسِيرَ إِلَيْكَ إِلَى هُنَاكَ، فَإِذَا حَضَرَكَ- وَ نَحْنُ نُشَاهِدُهُ- فَأْمُرْهُ أَنْ يَنْقَطِعَ نِصْفَيْنِ مِنِ ارْتِفَاعِ سَمْكِهِ، ثُمَّ تَرْتَفِعَ السُّفْلَى مِنْ قِطْعَتَيْهِ فَوْقَ الْعُلْيَا وَ تَنْخَفِضَ الْعُلْيَا تَحْتَ السُّفْلَى، فَإِذَا أَصْلُ الْجَبَلِ قُلَّتُهُ وَ قُلَّتُهُ أَصْلُهُ، لِنَعْلَمَ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ لَا يَتَّفِقُ بِمُوَاطَاةٍ، وَ لَا بِمُعَاوَنَةِ مُمَوِّهِينَ مُتَمَرِّدِينَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه وآله وَ أَشَارَ إِلَى حَجَرٍ فِيهِ قَدْرِ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ-: يَا أَيُّهَا الْحَجَرُ تَدَحْرَجْ. فَتَدَحْرَجَ، ثُمَّ قَالَ لِمُخَاطَبِهِ: خُذْهُ وَ قَرِّبْهُ مِنْ أُذُنِكَ، فَسَيُعِيدُ عَلَيْكَ مَا سَمِعْتَ فَإِنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ.
فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ، فَأَدْنَاهُ إِلَى أُذُنِهِ، فَنَطَقَ بِهِ الْحَجَرُ بِمِثْلِ مَا نَطَقَ بِهِ الْجَبَلُ أَوَّلًا- مِنْ تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صلی الله علیه وآله فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ قُلُوبِ الْيَهُودِ، وَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّ نَفَقَاتِهِمْ فِي دَفْعِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وآله بَاطِلٌ، وَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ [لَهُ] رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه وآله: أَ سَمِعْتَ هَذَا أَ خَلْفَ هَذَا الْحَجَرِ أَحَدٌ يُكَلِّمُكَ [وَ يُوهِمُكَ أَنَّهُ يُكَلِّمُكَ] قَالَ: لَا، فَأْتِنِي بِمَا اقْتَرَحْتُ فِي الْجَبَلِ.
فَتَبَاعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه وآله إِلَى فَضَاءٍ وَاسِعٍ، ثُمَّ نَادَى الْجَبَلَ: يَا أَيُّهَا الْجَبَلُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ- الَّذِينَ بِجَاهِهِمْ» وَ مَسْأَلَةِ عِبَادِ اللَّهِ) بِهِمْ- أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى قَوْمِ عَادٍ رِيحاً صَرْصَراً عَاتِيَةً، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [خَاوِيَةٍ]، وَ أَمَرَ جَبْرَئِيلَ أَنْ يَصِيحَ صَيْحَةً [هَائِلَةً] فِي قَوْمِ صَالِحٍ حَتَّى صَارُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ، لَمَّا انْقَلَعْتَ مِنْ مَكَانِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَ جِئْتَ إِلَى حَضْرَتِي هَذِهِ- وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْهِ- [قَالَ:] فَتَزَلْزَلَ الْجَبَلُ وَ سَارَ كَالْقَارِحِ الْهِمْلَاجِ- حَتَّى [صَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ] دَنَا مِنْ إِصْبَعِهِ أَصْلُهُ فَلَزِقَ بِهَا، وَ وَقَفَ وَ نَادَى: [هَا] أَنَا سَامِعٌ لَكَ مُطِيعٌ- يَا رَسُولَ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَ إِنْ رُغِمَتْ أُنُوفُ هَؤُلَاءِ الْمُعَانِدِينَ- مُرْنِي بِأَمْرِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه وآله: إِنَّ هَؤُلَاءِ [الْمُعَانِدِينَ] اقْتَرَحُوا عَلَيَّ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تَنْقَلِعَ مِنْ أَصْلِكَ، فَتَصِيرَ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يَنْحَطَّ أَعْلَاكَ، وَ يَرْتَفِعَ أَسْفَلُكَ، فَتَصِيرَ ذِرْوَتُكَ أَصْلَكَ وَ أَصْلُكَ ذِرْوَتَكَ.
فَقَالَ الْجَبَلُ: أَ فَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ- يَا رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ: بَلَى.
فَانْقَطَعَ [الْجَبَلُ] نِصْفَيْنِ وَ انْحَطَّ أَعْلَاهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَ ارْتَفَعَ أَسْفَلُهُ فَوْقَ أَعْلَاهُ فَصَارَ فَرْعُهُ أَصْلَهُ، وَ أَصْلُهُ فَرْعَهُ.
ثُمَّ نَادَى الْجَبَلُ: مَعَاشِرَ الْيَهُودِ هَذَا الَّذِي تَرَوْنَ دُونَ مُعْجِزَاتِ مُوسَى الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ! فَنَظَرَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ- فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا عَنْ هَذَا مَحِيصٌ.
وَ قَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: هَذَا رَجُلٌ مَبْخُوتٌ يُؤْتَى لَهُ، وَ الْمَبْخُوتُ يَتَأَتَّى لَهُ الْعَجَائِبُ فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا تُشَاهِدُونَ [مِنْهُ].
فَنَادَاهُمُ الْجَبَلُ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ- قَدْ أَبْطَلْتُمْ بِمَا تَقُولُونَ نُبُوَّةَ مُوسَى هَلَّا قُلْتُمْ لِمُوسَى: إِنَّ قَلْبَ الْعَصَا ثُعْبَاناً، وَ انْفِلَاقَ الْبَحْرِ طُرُقاً، وَ وُقُوفَ الْجَبَلِ كَالظُّلَّةِ فَوْقَكُمْ إِنَّكَ يُؤْتَى لَكَ يَأْتِيكَ جَدُّكَ بِالْعَجَائِبِ، فَلَا يَغُرُّنَا مَا نُشَاهِدُهُ مِنْكَ.
فَأَلْقَمَتْهُمُ الْجِبَالُ- بِمَقَالَتِهَا- الصُّخُورَ، وَ لَزِمَتْهُمْ حُجَّةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
🍐التفسير الإمام الحسن العسكري عليه السلام 286
August 10, 2026 224 4