ثمّة أشخاص يبدون لك، من فرط ما يُحاطون به، كأنهم لم يعرفوا الوحدة قط!
يحبهم الناس، وتُفتح لهم الأبواب، وتكثر الأسماء في هواتفهم، ويجدون من يسأل عنهم كلما احتاج شيئًا...
لكن قلة من أولئك الذين يأتون، تعرف كيف تمضي ليلته حين ينفض الجمع، ويخفت آخر صوت في المكان،
هو ذاك الذي يعمل حين ينام الآخرون، ويدرس حين يلهو الآخرون، ويشدُّ على حلمه بيد، ويقاوم بها تعبه باليد الأخرى!
تراه ثابتًا في النهار؛ يمضي كأن الطريق يعرفه، وكأن قلبه لا يتعب، وكأن كل شيء يسير كما ينبغي،
لا أحد يعرف كم مرة جلس في آخر الليل، يحدّق في سقف غرفته، يحصي ما تبقى من طاقته، ثم يقول لنفسه:
غدًا... لعلّ الغد يكون أرحم!
يأتيه الناس حين تضيق بهم السُّبل، فيجدونه،
يطلبون منه، فيعطي،
يستندون إليه، فيسندهم،
ويحسبون كثرة من حوله دليلًا على أنه بخير!
ولا يعلمون أن لهذا الذي يسندهم كتفًا يئنّ،
وأن وراء ابتسامته قلبًا يضيق،
وأنه حين يخلو إلى نفسه،
يبكي ما لا يستطيع أن يشكوه،
ويخاصم ليلًا لا يريد أن ينقضي،
ثم يصحو في الصباح...
كأن شيئًا لم يكن!
إليك أنت
نعم، أنت!
لا تلتفت... إنني أحدثك،
أنت الذي أرهقك الطريق،
وأنت الذي أوجعك المسير،
وأنت الذي نام الناس عن حلمه،
وأنت الذي قاتلت من أجل مستقبلك،
وأكل السهر من عينيك،
وأخذت الأيام من قوتك،
وأوشكت أن تسقط ألف مرة،
ثم أخفيت ارتجافك ومضيت!
فاسمعني هذه المرة: لا تستسلم!
قم..
نعم، قم!
فما ضاع من عمرك شيءٌ وأنت تسعى،
وما خسر من حمل حلمه رغم العناء،
ربما كان الله يؤخر عنك ما تريد
ليأتيك بما يليق بك!
ستصل..
وما دام فيك نفسٌ يقول: غدًا،
ففيك بقية طريق،
وفيك بقية نور،
وفيك حلمٌ لم يقل كلمته الأخيرة بعد،
فانهض
انهض، ولو نهضت من بين ركامك،
وامضِ، ولو كان في خطوك عرج التعب،
سيأتي يوم ــ أقسم لك ــ
تنظر فيه إلى هذا الليل الطويل،
فتدرك أن كل دمعة أخفيتها كانت تسقي شيئًا فيك،
وأن كل مرة قلت فيها: لا أستطيع ثم استطعت،
كانت تبني منك الإنسان الذي سيحمل غدك!
ستكون الأحلام لك!
وستأخذ ما تمنيت، أو ما هو أجمل منه،
وستنجح،
فلا تخف من الغد،
الغد ليس عدوك،
اذهب إليه كما أنت..
متعبًا، نعم،
مثقلًا، نعم،
وفي قلبك ألف ندبة، نعم،
لكن حيَّ القلب، عظيم الرجاء، ثابت الخُطى!
ستفرح..
نعم، ستفرح!
وسيأتي صباح تحمل فيه ما تمنيت بكلتا يديك،
وتنظر إلى السماء، وتبتسم تلك الابتسامة التي لا يعرف سرها إلا الله..
وما دام الله قد أبقاك إلى هذه اللحظة،
فلم تنتهِ الحكاية بعد!
والسلام.
1
August 16, 2026 731 6