ومن أجمع وأجمل ما رأيته في تعريف الأدب، قول الحكيم الترمذي ، رحمه الله تعالى :
« اعلم أن الأدب أن تنزل كل شيء وضعه الله في جسدك في موضعه فلا تزيله عن مكانه، كما أنك إذا دخلت على رجل منزله فرأيت كل شيء، مما يوضع في المنازل مما يمتهن ويؤكل ويشرب ويبسط ويُفرش ويوضع، وضع في مكانه فيقال للذي يلي ذلك : أديب، وإذا رأيت الأمتعة وهذه الأشياء التي وصفنا مطروحة في غير مواضعها ... أوحشك ذلك وسبق إلى قلبك سوء أدب من تولى حفظ ذلك المنزل وسكنه، وكذا جسدك إنما هو بيت من بيوت الله ، قلبك آنية من أوانيه، وقد وضع في جسدك أصنافاً من خلعه منها : الغضب، والرأفة والرحمة والشهوة، والرغبة، والرهبة، فالأدب أن تنزل كل شيء وضعه الله في جسدك من هذه الأشياء في موضعه، كما وضعه، فإذا هاج منك ذلك الشيء فلست بملوم عليه، إنما تلام وتحمد على الاستعمال بهذا الهيجان؛ فإنه لم يضع فيك الغضب لتستعمله حيث ما تهوى ولكن إذا رأيت معصية استعملت الغضب الذي وضعه فيك له ومن أجله، على المقدار الذي حده لك، وهو أن لا تغضب غضباً تقع به في المعصية، فإذا فعلت هذا فقد تركت الغضب في موضعه كما وضعه، فإذا غضبت غضبت له وكذلك كل شهوة وضعها فيك من الأكل والشرب والجماع، واللباس والركوب، والمشي، والنظر، والاستماع والشم والبطش والسعي، والكلام، وغير ذلك فإنما وضعها فيك لتستعملها له، ومن أجله، وعلى الحد الذي حده لك، فإذا كنت كذلك فأنت أديب، وهذا أدب الدين » .
مقتبس من كتاب | حصول الطلب بسلوك الأدب
