تتضمن التقارير التي يعرضها فرامبتون تحليلات أمنية صريحة تُصنف الإخوان المسلمين "كانهاالقوة الأكثر راديكالية ومناهضة للغرب وإسرائيل". وتؤكد إحدى وثائق الـ CIA الصادرة عام 1952 أن أي نظام سياسي في مصر يسعى للتقارب مع الأجندة الغربية أو قبول الأمر الواقع في فلسطين سيتصادم حتماً مع الجماعة، مشيرة إلى أن تحييد هذه الحركة يُعد شرطاً أساسياً لتحقيق "الاستقرار الإستراتيجي" في المنطقة.
وثائق الخارجية البريطانية ورسائل المندوب السامي:
توثق الرسائل البريطانية ارتياحاً مكتوماً لدى الدوائر الاستعمارية عقب قرارات الحظر والاعتقالات التي طالت كوادر الجماعة عام 1954؛ حيث اعتبرت التقارير أن ضرب البنية التنظيمية للإخوان يُزيل العقبة الرئيسية أمام إبرام اتفاقية الجلاء وتأمين قناة السويس، كما يُضعف التيار المطالب بفتح جبهة مقاومة شعبية مستمرة على حدود فلسطين.
3. هندسة الشق الداخلي وتغذية العداء..
يكشف هذا الفصل المفاصل الأولى لكيفية استغلال العقل الغربي والصهيوني للخلافات السياسية الوطنية وتحويلها إلى "عداء ممتد وقطيعة وجودية". فبدلاً من دعم حوار وطني بين القوى السياسية الفاعلة لبناء دولة استقلال قوية ومتماسكة، وجد العقل الإستراتيجي الغربي والإسرائيلي في الصدام الداخلي فرصة مثالية للتخلص من التيار الأشد خطراً على الكيان الصهيوني.
لقد عكفت التقارير الاستخباراتية الغربية على ضخ وتغذية مخاوف السلطة والمجتمع من "خطر الإخوان"، ورسخت في الأذهان أن بقاء هذا التيار أو إدماجه يُشكل تهديداً كلياً للدولة. وبهذه الهندسة، استُبدلت معركة مواجهة الاحتلال والتوسع الصهيوني "بمعركة تثبيت أركان الداخل عبر الملاحقة والأقصاء"، مما أرسى أولى اللبنات لخطاب الشيطنة واستنزاف الطاقات الوطنية في صراعات بينية بدلاً من بناء التوافق واستكمال مشروعات النهضة والاستقلال القومي.
[الفصل الثالث: الحرب الباردة وسياسة "التوظيف ثم الشيطنة" (1954 - 1970)..
(المناورة الغربية بين الخطر الناصري والتخوف من التيار الإسلامي)..
1. المضمون الوثائقي والتاريخي للفصل الثالث..
يرصد الدكتور مارتن فرامبتون في هذا الفصل حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت أوج الاستقطاب الدولي في إطار الحرب الباردة، بالتوازي مع صعود التيار القومي العربي بزعامة جمال عبد الناصر، واتساع رقعة الصراع العربي-الإسرائيلي (لا سيما عقب العدوان الثلاثي عام 1956 وحرب يونيو 1967).
يستند فرامبتون إلى وثائق أرشيفية متفرقة من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، والمخابرات المركزية ، والملفات البريطانية؛ ليكشف عن سياسة مزدوجة ومركبة انتجها العقل الإستراتيجي الغربي والواشنطني تجاه جماعة الإخوان المسلمين أثناء وجود قياداتها وكوادرها في المعتقلات أو في المنافي الاستوائية والأوروبية:
المسار الأول (محاولات الاستغلال والتوظيف): سعت واشنطن ولندن في فترات معينة إلى قراءة إمكانية "استغلال" الرفض الإخواني للمشروع الناصري والمد الشيوعي، واعتبرت الدوائر الغربية أن التيار الإسلامي يمكن أن يشكل صداماً أيديولوجياً مضاداً للراديكالية القومية التي تهدد المصالح الغربية وأمن إسرائيل.
المسار الثاني (التحذير والاحتواء الأمني): رغم محاولات التوظيف التكتيكي، فإن التقارير الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية كانت ترجع دوماً إلى المربع الأول؛ وهو أن هذا التيار يمثل "الخطر العقائدي الأشد عمقاً وخطورة"، لأن عقيدته ترفض وجود الكيان الصهيوني من الأساس، ولا يمكن تطويعها ضمن ترتيبات السلام أو الهيمنة الغربية.
2. الشواهد والوثائق الغربية والصهيونية في الفصل..
تقارير مجلس الأمن القومي الأمريكي (NSC) والمخابرات المركزية (1957 - 1965):
تُظهر الوثائق التي يحللها فرامبتون نقاشات داخلية حادة داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية التعاطي مع الإخوان. وتؤكد إحدى المذكرات السرية الصادرة عن الخارجية الأمريكية عام 1958 أن: "أي مراهنة على الإسلام السياسي لمواجهة عبد الناصر يجب أن تظل بحذر شديد؛ لأن الإخوان، وإن ناصبوا النظام الناصري العداء، يظلون القوة الأكثر مناهضة للوجود الإسرائيلي وللمصالح الغربية في المدى البعيد".
التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية بعد حرب 1967:
يرصد الفصل تقارير إسرائيلية صدرت عقب هزيمة 1967 ترقب ببالغ القلق إعادة تشكل المجموعات الإسلامية وظهور ما عرف بـ "قواعد الشيوخ" على جبهات المقاومة بالتعاون مع الفدائيين في الأردن ولبنان. واعتبرت التقديرات الإسرائيلية أن انبعاث هذا التيار مجدداً بعد الهزيمة يهدد بنقل الصراع من صراع نظامي بين دول إلى حرب استنزاف شعبية وعقائدية مفتوحة.
3. ازدواجية التوظيف وصناعة "الفزاعة"..
يُقدم هذا الفصل حجة قاطعة للقارئ حول طبيعة النفعية الغربية والإسرائيلية؛ فالعقل الاستراتيجي الغربي لا يتعامل مع القوى الوطنية والمحلية بأخلاق أو مبادئ، بل بمنطق "الأداة والتوظيف".
4October 14, 2026 339 7