بعد زمن آخر سترى رجلا مثل عباس باشا الأول، وهو الوحيد من أسرة محمد علي الذي كان فيه ميل للدين وحب للعرب والمسلمين، وكانت له وقفات في نصرة أهله، فقد هرَّب بعض الوهابيين من سجن جده، وكان يجلس إلى شيخ الأزهر ليستمع إليه في الجامع، وكان يبغض الأجانب ويحرص على أن يواظب أولاده على الصلاة، وأمور أخرى لا يتسع لها المقام.. هذا الباشا هو نفسه الذي قرر أن يزيد في أيام الاحتفال بمولد السيد البدوي! وما ذلك إلا لأنه يرى هذا من نصرة الدين ومقاومة الأجانب الكافرين!!
وفي أزمنة الاحتلال سترى أن جمهرة المصلحين والمجاهدين كانوا حريصين على مناسبات مثل الاحتفال بالمولد النبوي، وغيرها من المناسبات، وما ذلك إلا لأنها فرصتهم لجمع الناس ووعظهم والكلام معهم، ومقاومة ما تغرسه فيهم دولة الاحتلال من التغريب والعلمنة.. سترى ذلك في مصر والشام وبلاد المغرب وتركيا.. لقد كان يُراد أن تتعلق هذه الأمة بشخصيات أخرى، لقد اخترعت أعياد أخرى تتعلق بمولد أو وفاة أو تنصيب أمثال محمد علي باشا وأتاتورك والملك فلان والسلطان فلان.. فكان أهل الدين في هذه الأنحاء يرون في مناسبة الاحتفال بالمولد فرصة لا تفوَّت في تذكير الأمة بهويتها ودينها ورسولها الذي هو زعيمها الأعظم ومؤسس مجدها الديني والدنيوي!
وكل واحد من هؤلاء المصلحين والمجاهدين قام بحسب ما استطاع من مقاومة البدع والمنكرات في الموالد، فبعضهم كان يزاحم المنكرات بغيرها من المعروف، وبعضهم كان يعتزل المنكرات ويقيم احتفالاته على نمط آخر، وبعضهم يخلط هذا بذاك، ولكلٍ منهم في هذه الأمور نظرة وطريقة تتعلق بما هو مقبول وما هو مرفوض، ولكل منهم طريقة في علاج المرفوض: هل يكون بالإنكار والمجاهرة أم بالتدرج في نزعه أم بمزاحمته أو باعتزاله وإقامة غيره!
وكذلك كانت الموالد فرصة لاستثمار اجتماع الناس، وكم وُضِعت فيها بذور جمع الأموال لمقاومة المحتل والطاغية، أو لاجتماع القوم المطلوبين المطاردين، واختلطت مشارب المصلحين والمجاهدين بما تيسر لهم من وسائل وظروف، ومن هذه الوسائل والظروف الطرق الصوفية السائدة والمنتشرة في البلدان.
خلاصة الكلام والمقصد أن الاحتفال بالمولد النبوي صار عملا لا يمكن وصفه بقول واحد ضربة لازب، بل مثلما كانت بعض مظاهره تمكينا للاحتلال والطغيان وإلهاء للناس وإبعادًا لهم عن السياسة والجهاد، كانت مظاهره الأخرى من وسائل الإصلاح وفرصة لمقاومة التغريب والتعلق بالأصول والجذور، وتذكيرا بالمجد التليد!
وإذا أردنا أن نقيم خطًّا بين المصالح والمفاسد في مثل هذه الأمور.. فسيكون على هذا النحو:
إن النبي ﷺ هو قدوة المسلمين، هكذا يراه المسلمون جميعا، غير أن معنى القدوة هذا يجري تحريفه على يد المحتلين والطغاة المجرمين، وهذا هو الأمر الذي يجب تصحيحه، وإذا حصل التصحيح فقد استقامت به الأمور.
لقد كان النبي ﷺ قدوة للمسلمين، ولكنه لم يكن فحسب قدوة لهم في أخلاقه الشريفة السامية: الصدق والأمانة والعفو واللين والرفق ونحوها، بل هو قدوة لهم في إقامة الدين وتأسيس الدولة والتمكين للدين في هذا الأرض وتحويله من كلام نظري مسطور في الكتب إلى واقع عملي شاخص في حياة الناس!
وذلك هو الفارق الذي يُفرق بين غرض المصلحين وغرض المفسدين، وإن التقى عملهم على الاحتفال بالمولد النبوي..
المحتل والطاغية يريد مولدا يتمايل فيه الناس ويطربون، يأكلون ويشربون ويرقصون، فإذا تحدثوا عن النبي فلا بأس أن يقتصر عملهم على وصف جماله وعيونه وشعره وثيابه، فإذا زادوا فليتحدثوا في معجزاته وخوارقه، فإذا زادوا في الاقتداء فليتحدثوا في صدقه وأمانته ونبله ورحمته ورفقه!!.. فهذا كله مما لا يبتئس المحتل والطاغية أن يسمعه الناس!
أما المجاهد والمصلح فهو يريد مولدا يتذكر فيه الناس كيف أن النبي هو القائد المجاهد، الزعيم المؤسس، الذي أقام الدين في الدنيا، وهو صاحب الشريعة الحاكمة، الرئيس الذي حمل السيف وجاهد في سبيل الله حتى تحول المسلمون معه من دعوة إلى دولة، ومن دولة إلى قوة إقليمية، ثم ترك صحابته من بعده ليحولونها من قوة إقليمية إلى قوة دولية، ثم إلى القوة العظمى العالمية!
محمد ﷺ، في الموالد التي يرضى عنها المحتلون والطغاة، شخصية الدرويش.. أي: الزاهد الرقيق الرفيق، ذي الثياب البيضاء والنور المشع من الجبين، المتبسم الهادئ الوادع اللين، صاحب المعجزات والخوارق والفضائل، الذي تسرح حوله الطيور ويسلم عليه الحجر ويئن له الجذع وينشق له القمر!!
هذا وإن كان حقا، إلا أن نصف الصورة وحدها، النصف الذي لا يمثل خطرا عليهم..
أما محمد ﷺ في الموالد التي يريدها المصلحون والمجاهدون فهو –مع ذلك، وفوق ذلك- المجاهد الذي يقيم الدين ويشيد الدولة وينفذ الشريعة، ولا يرضى بالظلم، ولا يسكت على الضيم، ولا يقبل سيادة إلا لله، ولا ولاء إلا للمؤمنين..
وهذا الصراع نفسه بين هذين السبيليْن هو مما نفهم به واقعنا وحالنا الآن..
7September 3, 2026 636 8