نعرف ماذا يقول القرآن للإنسان، لكننا نادرًا ما نتوقف عند سؤال آخر… — د. عبد الكريم بكار — TG.ME

نعرف ماذا يقول القرآن للإنسان، لكننا نادرًا ما نتوقف عند سؤال آخر: كيف يخاطبه؟

كيف استطاع كتاب نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا أن يخاطب عقل الإنسان وقلبه وفطرته ومخاوفه وآماله، بحيث يجد كل قارئ فيه شيئًا يشعر أنه موجَّه إليه؟

ربما لأن القرآن لم يخاطب الإنسان من باب واحد؛ فالإنسان ليس عقلًا يمكن إقناعه بالحجة وحدها، ولا قلبًا تحركه العاطفة وحدها، ولذلك تنوع الخطاب القرآني، وكأنه يعرف أن لكل جانب في الإنسان طريقًا يناسبه.

أولًا: يخاطب الإنسان بحسب موقعه وحاله.

فيأتي النداء عامًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فيشمل الإنسان قبل اختلاف انتماءاته ومواقعه، ويأتي أحيانًا خاصًا بالمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فيكون النداء نفسه تذكيرًا بالصفة التي ينبغي أن تنعكس على السلوك.

وقد يوجَّه الخطاب إلى فرد أو جماعة أو أمة، لكن القارئ لا يظل متفرجًا على ما يقرأ؛ إذ يجد نفسه في كثير من الآيات معنيًا بالسؤال أو التحذير أو الوعد.

ثانيًا: يخاطب العقل والفطرة.

لا يطلب القرآن من الإنسان أن يعطل عقله، بل يوقظه بالسؤال:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾.

وفي الوقت نفسه يوقظ ما استقر في أعماقه من فطرة، كما في قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

فالسؤال يحرك العقل، والفطرة تمنح الإنسان استعدادًا داخليًا للتعرف إلى الحق، ثم يأتي الوحي ليكون الميزان الذي يحفظ الإنسان من أن يضل بعقله أو ينخدع بما تمليه عليه رغباته.

ثالثًا: يجعل المعاني تُرى ولا تُقال فقط.

كان يمكن أن يقول للإنسان: لا تغتر بالمال، ولا تطغ بالقوة، واصبر عند البلاء.

لكنه يريه قارون وقد تحولت الثروة إلى فتنة، وفرعون وقد أفسدته القوة، ويوسف عليه السلام أمام الفتنة، وأيوب عليه السلام أمام البلاء.

فالقصة لا تقدم للإنسان فكرة مجردة، بل تجعله يرى الفكرة وهي تتحرك في حياة البشر. ولهذا قد ينسى الإنسان تعريفًا، لكنه يبقى طويلًا مع صورة أو موقف أو قصة.

رابعًا: يوازن بين الخوف والأمل.

فالإنسان يحتاج إلى ما يردعه حين يقترب من الخطأ، كما يحتاج إلى ما يعيده حين يظن أن الطريق انتهى.

ولهذا يجمع القرآن بين الوعد والوعيد. يقول تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾، فيفتح باب العودة، لكنه في مواضع أخرى يذكر الحساب والنتائج، حتى لا تتحول الرحمة إلى تهاون.

إنه لا يريد إنسانًا يعيش مرعوبًا، ولا إنسانًا يطمئن إلى الخطأ، بل إنسانًا يعرف أن الباب مفتوح، وأن للطريق عواقب.

خامسًا: يغيّر طريقة رؤية الإنسان للأشياء.

حين يتحدث القرآن عن الغيبة لا يكتفي بالنهي عنها، بل يقول: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾.

فالسلوك هنا لم يتغير حكمه فقط، بل تغيرت الصورة التي يراه الإنسان بها.

وفي خطاب إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ﴾، وخطاب لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ﴾، نجد أن الطريقة جزء من الرسالة؛ فالكلمة يمكن أن تحمل الحقيقة، لكنها تستطيع أيضًا أن تحمل الرحمة والتحبيب.

سادسًا: يعيد الإنسان إلى التاريخ ليكشف له نفسه.

لا يعرض القرآن أخبار الأمم السابقة لمجرد الحكاية، بل يدعو إلى النظر في السنن التي تتكرر.

كيف تبدأ القوة؟ وكيف تتحول النعمة إلى غفلة؟ وكيف يمكن لأمة أن تملك أسباب البقاء ثم تسقط بسبب ما يحدث داخلها؟

ولهذا يقول تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. فالتاريخ في القرآن ليس ماضيًا بعيدًا، بل مرآة يمكن للإنسان أن يرى فيها حاضره.

سابعًا: يجمع بين الرحمة والحزم.

فالخطاب القرآني يعرف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى اللغة نفسها. فقد يحتاج إلى كلمة ترفعه من اليأس: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وقد يحتاج إلى أمر واضح يدفعه إلى المسؤولية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.

وهكذا لا يربي القرآن إنسانًا هشًا يرفض التكليف، ولا إنسانًا قاسيًا لا يعرف الرحمة، بل يبني التوازن بين الأمل والمسؤولية، وبين الرفق والحزم.

ربما لهذا يقرأ الإنسان الآية نفسها في مراحل مختلفة من حياته، ثم يجد فيها معنى لم يكن قد رآه من قبل.

ليس لأن القرآن تغير، بل لأن الإنسان تغير، ووجد نفسه أمام جانب آخر من جوانب الخطاب.

ولعل العلاقة بالقرآن لا تنتهي عند سؤال: ماذا يقول لنا؟

فالسؤال الأعمق هو:

كيف يعرف القرآن الطريق إلى الإنسان في كل مرة؟

د. عبد الكريم بكار
❤34
September 6, 2026 1.8K 21