إن الإنسان حين يغادر وطنه يشعر بالضعف لأنه يفقد شبكة الأمان الأولى… — د. عبد الكريم بكار — TG.ME

إن الإنسان حين يغادر وطنه يشعر بالضعف لأنه يفقد شبكة الأمان الأولى: الأهل، والأصدقاء، والجيران، والبيئة الثقافية، والاجتماعية التي كانت تحتضنه، وهنا يبرز (الغنى) بوصفه وطناً افتراضياً يمكن أن يرمم ذلك الشعور الضائع بالأمان.

الإنسان كائن يبحث عن الألفة، والأمان، وحين يفقد الإنسان ذلك فإنه يبحث تلقائياً عما يعوضه عنه، وهنا يأتي المال بوصفه القوة التي تمنح الإنسان الاستقلال، وتقلل من درجة اعتماده على الآخرين، وحاجته إليهم، كما أن المال يوفر له الوقت الطويل الذي يمكن أن يصرفه في طلب الرزق، ويجعله أكثر حرية في اتخاذ قراراته. المال يستبطن طاقة كامنة يمكن أن تتحول إلى فرص، وسلطة، وعلاقات، ووجاهة، وإن توفره للغريب يجعله يشعر بالأمان من إذلال الحاجة، والتهميش حيث لا أهل، ولا أصدقاء للعائلة...

لكن هذه المقولة تحمل معنى مجازياً، فالحقيقة الواضحة تقول: لا شيء يغني عن الوطن، فالمال إن صح أن يوصف بأنه وطن إلا أنه يظل وطناً مادياً، وليس روحياً، إنه فعلاً يخفف من آلام الغربة، وشقاء قلة ذات اليد، لكن الحنين إلى مرابع الأهل، ومراتع الصبا، وإلى اللغة الأم، وحنان العمات والخالات يظل يتقد في الصدر مهما كان الوضع المادي مريحاً.

ويمكن من وجه آخر أن يكون للمال دور سلبي حين يفصل الإنسان عن محيطه الجديد بسبب الطبقية التي يشعر بها أصحاب الوفرة، وهي طبقية كثيراً ما تقترن بالشعور بالوحشة، والعزلة. الوطن منظومة روحية، ثقافية، عاطفية، تتجاوز المادة ورفاهية العيش.

لو تأملنا في شعر المهجر للمسنا بوضوح الكثير من المشاعر الإنسانية الجارفة حيث التعبير عن الإحساس بالغربة، والضعف أمام واقع الاغتراب، وحيث التعلق الوجداني بالهوية، والجذور، والذكريات.

تظل الغربة غربة ولو جاءت بالسمن، والعسل، والقصور المشيدة.

د. عبد الكريم بكار
❤18😢13
September 3, 2026 1K 10