1. اليونان لم "يحوّلوا الفاء العبرية (والعربية) إلى P"! الاسم العبري الأصلي يبدأ بحرف P وهو (פְּלִשְׁתִּים - Pəlištīm)، واليونانيون حافظوا على هذا النطق فنقلوه وفق نظام كتابتهم بحرف (Π - Pi) فصارت الكلمة (Παλαιστίνη - Palaistinē). ذلك أنّ الحرف العبري (פ) له نطقان: P وفاء، تبعًا لموقعه في الكلمة، وهنا جاء في أولها فنُطق P. علماً أن العرب هم من قلبوا هذه الـ P لاحقاً إلى فاء لافتقار العربية لهذا الصوت، كما سيأتي بيانه.
وأما زيادة المقطع (inē / ίνη) في الآخر، فهي لاحقة يونانية شائعة تُضاف لتشكيل أسماء البلدان والصفات الجغرافية، كما فعلوا في أسماء سامية أخرى مثل تحويل "مجدل" إلى (Μαγδαληνή - Magdalene / مجدلين).
فالمسألة إذن ليست "خطأ ترجمة" كما يُزعم، بل هي طريقة نقل صوتي وصرفي طبيعية ومطّردة بين لغات مختلفة.
2. وأما تحويل الشين إلى سين فليس دليلاً على اختلاف الاسم؛ لأن انتقال الأصوات بين اللغات السامية أمر معروف.
فالاسم معروف في المصادر المصرية قبل ذلك بقرون، فقد ورد في نقوش رمسيس الثالث بمدينة هابو (نحو 1180 ق.م) بحرف السين:
prst
كما أن انتقال الشين إلى السين في النقل بين اللغات السامية له شواهد كثيرة، مثل:
شمعون שִׁמְעוֹן-- سمعان في التقليد اليوناني واللاتيني.
يشوع יֵשׁוּעַ-- يسوع في النقل المسيحي.
3. العرب النصارى أنفسهم نقلوا الاسم إلى "فلسطين" في ترجماتهم القديمة، ولم يكن هذا اختراعًا متأخرًا.
كما أن النقل العربي للأسماء الأجنبية لم يكن دائمًا ملتزمًا بتحويل حرف واحد بصورة ثابتة؛ فمخطوطات العهد الجديدة القديمة كانت أحيانًا كثيرة تنقل :
بيلاطس إلى فيلاطس
بولس إلى فولوس
4. قول الضيف إن التوراة لا تذكر من اللغات إلا اللغة الآرامية غير صحيح.
فالنص العبري نفسه يذكر وجود لغتين: الآرامية واليهودية.
ففي سفر الملوك الثاني 26/18 :
«דַּוַיֹּ֣אמֶר אֶלְיָקִ֣ים בֶּן־חִ֠לְקִיָּ֠הוּ וְשֶׁבְנָ֨ה וְיוֹאָ֜ח אֶל־רַבְשָׁקֵ֗ה דַּבֶּר־נָ֤א אֶל־עֲבָדֶ֙יךָ֙ אֲרָמִ֔ית כִּ֥י שֹׁמְעִ֖ים אֲנָ֑חְנוּ וְאַל־תְּדַבֵּ֤ר עִמָּ֙נוּ֙ יְהוּדִ֔ית בְּאׇזְנֵ֣י הָעָ֔ם אֲשֶׁ֖ר עַל־הַחֹמָֽה»
أي:
"كلكَلِّمْ عَبِيدَكَ بِالأَرَامِيِّ لأَنَّنَا نَفْهَمُهُ، وَلَا تُكَلِّمْنَا *بِالْيَهُودِيِّ* فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ الَّذِينَ عَلَى السُّورِ".
كما جاء ذكر اللغة العبرية في مقدمة سفر يشوع بن سيراخ باليونانية نحو سنة 132 ق.م بلفظ:
Ἑβραϊστί
أي: "بالعبرية".
في النص التالي:
Ἑβραϊστί γὰρ αὐτὰ λεγόμενα
"لأن هذه الأمور حين تُقال بالعبرية".
وهذا السفر، وإن لم يُضم إلى التناخ اليهودي لاحقًا، كان متداولًا بين اليهود قبل ميلاد عيسى عليه السلام، وأدخلته بعض الكنائس ضمن أسفار العهد القديم.
5. زعمُ الضيف أن اسم أورشليم لم يُعرف قبل قسطنطين في القرن الرابع قول يخالف المصادر التاريخية.
فالاسم مذكور في الأناجيل في القرن الأول باليونانية بصيغة:
Ἰερουσαλήμ
وهو نقل للاسم العبري:
יְרוּשָׁלַיִם (يورشلايم).
كما ورد على نقود ثورة بار كوخبا في القرن الثاني بالعبريّة:
לחרות ירושלם
أي:
"لحرية أورشليم".
وهو موجود أيضًا في السريانية:
ܐܘܪܫܠܡ بالهمزة في أوّله، كالعربيّة.
فادعاء أن اسم هذه المدينة عينها ظهر في القرن الرابع لا علاقة له بالتاريخ... بل هو جنون!
أما ربط اسم أورشليم ببناء كنيسة القيامة فهو خطأ آخر؛ فكنيسة القيامة بدأ بناؤها بأمر الإمبراطور قسطنطين سنة 326م، قبل أن تصبح النصرانيّة الدين الرسمي للإمبراطورية في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول سنة 380م.
ولم تكن كنيسة القيامة هي التي أعطت المدينة اسمها، فالنصارى قبل ذلك كانت لهم كنائسهم في بلاد كثيرة. واليهود كانوا يتوجهون إلى أورشليم فلسطين في صلواتهم، ولم يُعرف أبدًا أنهم كانوا يتوجهون إلى اليمن.
كما أنّ اسم أورشليم مذكور عند مؤرخين سابقين للقرن الرابع مثل يوسيفوس وتاسيتوس وغيرهما، باللغات اليونانية واللاتينية، في وصف المدينة نفسها والموقع نفسه. فالاسم قبل القرن الرابع هو نفسه بعد هذا القرن، والإحالة الجغرافية فيهما واحدة!
هذا المقطع مليء بأخطاء أخرى كثيرة جدًا، بل هو سلسلة من الدعاوى التي تصادم التاريخ واللغة.
أنا على استعداد لقبول أنّ هذه الحلقة، مشهد كوميدي غايته إضحاكنا، أما تقديمه على أنه بحث تاريخي ولغوي، فشيء لا يقبله الخيال نفسه!
دردشة على هامش الجنون...
166
15
13
8
3
2July 27, 2026 11.8K 24