دراسات في العمق: post #18883 — TG.ME

#مقال_اليوم

المحور الأول | تفكيك سردية «الصناعة البريطانية»

بين المناورات الاستخباراتية وتوظيف الدين في السياسة

​ينبع الاعتقاد الشائع بأن بريطانيا هي من "صنعت" حركات الإسلام السياسي—بفرعيها السني والشيعي—من تداخل معقد [1] بين حقائق تاريخية موثقة تتعلق بالسياسات النفعية للإمبراطورية البريطانية، و[2] بين سرديات المؤامرة التي تخلع على القوى الاستعمارية قدرة مطلقة على هندسة التاريخ وخلق التيارات من العدم.

​تستند هذه القناعة إلى حقيقة أن بريطانيا، بصفتها القوة العظمى المهيمنة على الشرق الأوسط وجنوب آسيا في القرنين التاسع عشر والعشرين، اعتمدت استراتيجية "فرّق تسُد" واستخدمت القوى الدينية المحافظة كحائط صد ضد القوميات التحررية والمد الشيوعي.

1️⃣المحور السني (جماعة الإخوان المسلمون ومحطة التلاقي البريطانية)

​يعود شيوع فكرة "الرعاية البريطانية" للإخوان إلى عدة تقاطعات تاريخية وسياسية موثقة في الأرشيف البريطاني والمصري:

▪️منحة شركة قناة السويس (1928): تلقت الجماعة في بدايات تأسيسها بمدينة الإسماعيلية دعمًا ماليًا (500 جنيه مصري) من "شركة قناة السويس" التي كانت خاضعة للإدارة البريطانية والفرنسية، وذلك لبناء أول مسجد ومقر للجماعة. وُظف هذا التبرع لاحقًا كدليل على وجود رعاية استعمارية مبكرة.

▪️مواجهة الحركة الوطنية والقومية: خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، نظرت الدبلوماسية البريطانية إلى تنامي نفوذ "حزب الوفد" الليبرالي واليسار المصري كخطر مباشر على مصالحها؛ فرأت في الخطاب الديني المعادي للعلمانية والتحديث الغربي وسيلة لتفتيت الكتلة الشعبية الوطنية.

▪️حزام الصد ضد الشيوعية والناصرية: مع صعود جمال عبد الناصر والمشروع القومي العربي المتحالف مع الاتحاد السوفيتي في الخمسينيات، كشفت وثائق رفعت عنها السرية في الأرشيف الوطني البريطاني عن تواصل استخباراتي بين مسؤولين بريطانيين وقيادات إخوانية في جنيف ولندن لمناقشة سبل تقويض النظام الناصري.

التحليل النقدي: لم تخلق بريطانيا أيديولوجيا الإخوان؛ فالجماعة نشأت كرد فعل اجتماعي وديني على سقوط الخلافة العثمانية وتنامي التغريب، لكن أجهزة الاستخبارات البريطانية سعت لاحقًا إلى اختراقها، وتوظيفها، واستثمار خصومتها مع القوى الوطنية واليسارية لخدمة المصالح الإمبراطورية.

2️⃣المحور الشيعي (المؤسسة الدينية في إيران وحسابات التاج)

​ترسخت مقولة «ارفع لحية كل آخوند تجد صُنع في إنجلترا» في الوعي الشعبي الإيراني نتيجة وقائع سياسية تلاقت فيها مصالح رجال الدين مع السياسات البريطانية:

▪️انقلاب مصدق (1953 - عملية أياكس): حين أمم رئيس الوزراء الوطني محمد مصدق النفط الإيراني، نسقت الاستخبارات البريطانية (MI6) بالتعاون مع الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) مع كبار المرجعيات الدينية المحافظة (وعلى رأسهم آية الله الكاشاني) لحشد الشارع ضد مصدق وإسقاط حكومته، خوفًا من انجراف إيران نحو الكتلة السوفيتية.

▪️إذاعة BBC الفارسية والثورة (1978–1979): خلال أشهر الثورة ضد الشاه، لعبت إذاعة بي بي سي الناطقة بالفارسية دورًا محوريًا في بث خطابات وبيانات آية الله الخميني إلى الداخل الإيراني بدقة وتزامن واسع؛ مما جعل الشاه وأنصاره يتهمون لندن بالتخلي عن عرشه والتمهيد لوصول الإسلاميين.

▪️استراتيجية «الحزام الأخضر»: مع اقتراب سقوط الشاه، تبنت القوى الغربية (ومن بينها بريطانيا وفرنسا في مؤتمر غوادلوب 1979) قناعة بأن البديل الديني المعادي للإلحاد السوفيتي يمثل حاجزًا طبيعيًا يمنع موسكو من الوصول إلى المياه الدافئة وحقول النفط في الخليج العربي.

التحليل النقدي: إن نظرية "ولاية الفقيه" وتسييس الفقه الشيعي تطور أيديولوجي نابع من داخل الحوزة قاده الخميني ضد النمط الحوزوي التقليدي غير المسيس، ولكن القوى الغربية مهدت له الطريق تكتيكيًا ظنًا منها أن النظام الديني سيكون أداة مضمونة لكبح التمدد الشيوعي.

3️⃣لماذا استقرت هذه القناعة في الوعي الجمعي؟

​تضافرت عدة عوامل نفسية وسياسية لتكريس هذا المفهوم حتى صار من المسلمات لدى قطاعات واسعة:

▪️الخلط بين «التوظيف والاستثمار» و«التأسيس والخلق»: دأبت القوى الاستعمارية على ركوب الموجات الدينية والاجتماعية القائمة وتوجيهها لخدمة مصالحها اللحظية، وهو ما يفسره العقل الجمعي دائمًا بأنه "خلق وتدبير كامل" من البداية.

▪️أسطورة الهيمنة المطلقة للإمبراطورية: ارتبطت بريطانيا في الشرق الأوسط بذكاء استخباري حاد وقدرة فائقة على التلاعب بالخرائط والشعوب؛ مما جعل المجتمعات تعزو كل تحول سياسي أو صعود أيديولوجي مفاجئ إلى تدبير استعماري خفي.

▪️حرب التخوين ونزع الشرعية المتبادل: وظفت الأنظمة العسكرية والقومية تهمة "العمالة للإنجليز" لتجريد التيارات الإسلامية من وطنيتها وعزلها شعبيًا، وفي المقابل رمى الإسلاميون خصومهم القوميين واليساريين بالعمالة للغرب أو الشرق.
August 30, 2026 43 1