سلسلة #مقالات:
يقوم مشروع الهيمنة الإقليمية المستند إلى مرويات الماضي على مفارقة بنيوية؛ إذ يسعى إلى استعارة أمجاد حضارات غابرة لتبرير نزعة تسلطية معاصرة، وتوظيف ذلك الإرث كمسوغ أخلاقي وسياسي لممارسة الوصاية على الجوار، متجاهلًا الانقطاع المعرفي والقيمي الكامل بين عظمة البناء المدني القديم وتجليات الحكم الطائفي المأزوم.
تقوم "سردية التفوق الإقليمي" على ادعاء تمثيل الإمبراطوريات المندثرة، وهو ادعاء يتصدّع أمام التحليل البنيوي؛ فالحضارات القديمة في بلاد الرافدين أو الهضبة الإيرانية قامت في جوهرها على التنظيم المدني، وإدارة الموارد، والمشاريع العمرانية الشاملة، في حين تقدم النماذج المعاصرة خطابًا ثيوقراطيًا منغلقًا يفتقر إلى أدنى مقومات الفكر التأسيسي للدولة.
هذا التناقض يجعل تقمص دور "الوريث الحضاري" مجرد ستار لإخفاء التراجع التنموي والإفلاس السياسي أمام استحقاقات الحاضر.
يكشف المسار التاريخي لحركات التوسع المذهبي أن انتشارها لم يتحقق يومًا عبر التراكم الثقافي بالإقناع أو النموذج الحضاري الجاذب، بل ارتهن تاريخيًا ببطش السيف وسلطة القهر العسكري، كما تجلى في تجارب تاريخية سابقة من شمال إفريقيا إلى آسيا الوسطى.
إن التجارب التي تفرض مذهبها بالإكراه تُنتج ولاءات شكلية مفروضة بالقوة، وسرعان ما تنفرط بمجرد تآكل القبضة الأمنية، لأنها تفتقر إلى الجذور المجتمعية العميقة والتراضي الجمعي.
أثبتت هذه النماذج عبر التاريخ عجزًا متكررًا عن بناء دولة العدالة والمؤسسات؛ إذ سرعان ما يتحول مشروعها السياسي إلى نظام استئثاري يحتكر الثروات والمناصب لمصلحة طبقة نخبوية حاكمة تدير شبكات نفعية مغلقة.
يُعامل المحيط الجغرافي الخاضع للنفوذ كأرض غنيمة ومصدر لتمويل المنظومة التوسعية، مما يؤدي بالضرورة إلى إفقار المجتمعات، وتدمير الإنتاجية، وتجريف المقدرات الوطنية لصالح استدامة السيطرة الفئوية.
ينتهي هذا التوظيف الاستعلائي إلى دورة حتمية من الفشل الذريع؛ فالاحتماء بجثامين التاريخ لا يعوض غياب الكفاءة الإدارية ولا يستر انهيار البنى التحتية والاقتصادية.
عندما يكتشف الواقع استحالة مطابقة الادعاء التاريخي مع الممارسة القمعية الفاشلة، يسقط النموذج في عزلته الداخلية والإقليمية، ليعيد التاريخ تأكيد قاعدته الصارمة: الأنظمة التي تتغذى على رفات الماضي وتعتمد البطش وسيلة، محكومٌ عليها بالانكشاف والتفكك الذاتي.
رابط سلسلة #المقالات:
https://drive.google.com/file/d/14hOmPXtHIk_gyKdSpW8B0E4vq6vlQs77/view?usp=drivesdk
ملحوظة:
من المضحكات المبكيات أن هذه "الشرذمة الهجينة" خلعت على نفسها بنفسها "ألقابًا تفخيمية"، لم يخلعها "الأنبياء" أنفسهم على أنفسهم وهم "الأولى" بذلك
