تكشف دراسة التاريخ العراقي الحديث في القرن العشرين تفاصيل جوهرية تناهض الطرح التبسيطي السائد:
▪️طبيعة التحولات السكانية والاجتماعية: لم يتحول وسط العراق وجنوبه إلى غالبية سكانية إلا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، نتيجة حركة التوطين العثمانية للعشائر البدوية وتحويلها إلى مجتمعات زراعية مستقرة ارتبطت برعاية الحوزات الدينية في النجف وكربلاء.
▪️الظلم الاقتصادي والطبقي الداخلي: كان المظلوم الفعلي هو الفلاح الكادح، بينما كان كبار الملاك والإقطاعيون المستغلون للأرض هم رؤساء العشائر والوجهاء المحليون أنفسهم. ومن ثم، فإن المظالم الاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها الجنوب كانت نتاج نظام طبقي وإقطاعي مشترك، وليست استهدافًا طائفيًّا موجهًا من مركز السلطة ضد مذهب بعينه.
▪️المقاطعة الذاتية للدولة الحديثة عبر الفتاوى: عند تأسيس الدولة العراقية عام 1921، كان لرجال الدين دور مباشر في حرمان أتباعهم من التمكين الإداري؛ إذ أصدر الميرزا محمد تقي الشيرازي والشيخ محمد مهدي الخالصي فتاوى تحرم العمل في الوظائف الحكومية والتعاون مع الإدارة الخاضعة للإشراف البريطاني بدعوى حرمة حكم غير المسلم. أدت هذه الفتاوى إلى استقالة الموظفين والشرطة من أبناء تلك المناطق، وامتناع المتعلمين عن الانخراط في السلك الحكومي والجيش، مما أفسح المجال لغيرهم لشغل الشواغر الوظيفية.
▪️حضور الفاعلين السياسيين: لم تُبنَ الدولة الملكية ولا الجمهورية على أساس طائفي؛ فقد تولى رئاسة الوزارات شخصيات شيعية بارزة (مثل السيد محمد الصدر، وصالح جبر، ومحمد فاضل الجمالي، وعبد الوهاب مرجان، وناجي طالب)، وكانت قيادات حزب البعث الأولى وتنظيمات الأحزاب الوطنية اليسارية والقومية تضم تمثيلًا واسعًا من مختلف الخلفيات. كما أن الصراعات السياسية والانقلابات (1941، 1958، 1963، وتصفيات قاعة الخلد 1979) وقعت بين أطراف تنتمي إلى بيئات متنوعة ولم تكن ذات دوافع مذهبية.
يؤدي استمرار التمسك بخطاب المظلومية في الزمن الحاضر –رغم الاستئثار بمفاصل الحكم ومقدرات الدولة لعقود بعد 2003– أدوارًا وظيفية محددة:
▪️إعفاء الذات من مسؤولية الفشل: توفر السردية غطاءً مريحًا لتبرير الإخفاقات التنموية، وتفشي الفساد، وتراجع الخدمات، بإحالة الأزمات دائمًا إلى مؤامرات خارجية أو تركات الماضي وظلم الآخرين.
▪️الاستقطاب وتغييب المساءلة الشعبية: يُستخدم التخويف العاطفي بشعارات المظلومية لإدامة التحشيد الانتخابي وضمان ولاء الجمهور للقوى الحاكمة، مما يعطل بروز وعي نقدي يحاسب المسؤولين على أساس الكفاءة والنزاهة.
▪️تفكيك مفهوم المواطنة الجامعة: يؤدي إرساء العمل السياسي على أسس الهويات الفرعية والمظالم التاريخية إلى إضعاف رابطة المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتحويل الدولة إلى محاصصة فئوية تتغذى على الخوف والنزاع المتبادل.
خاتمة:
إن الانتقال من منطق "المظلومية الأبدية" إلى منطق "بناء الدولة" يقتضي مراجعة شجاعة ونقدية للتاريخ المروي، والتفريق الواضح بين الاستثمار السياسي للعاطفة الدينية والوقائع التاريخية الفعلية.
فالشعوب لا تبني حاضرها ومستقبلها عبر استدعاء أحزان الماضي وتدوير مشاعر الحرمان، بل عبر تأسيس حكم رشيد يرتكز على العدالة الاجتماعية، والكفاءة الإدارية، وسيادة الدولة الوطنية الحاضنة لجميع أبنائها.
رابط المقال + المراجع:
https://drive.google.com/file/d/1d57geVQsMwGFecQCfQwt9o4_cMd-cdC5/view?usp=drivesdk
ملحوظة:
كل هذا النواح (