لماذا أكتب مطوّلات؟ يعيب عليّ البعض أنني أطيل في مقالاتي، وكأن الفكرة… — اللُّؤْلُّؤُ والمَرجان — TG.ME

🔹لماذا أكتب مطوّلات؟

يعيب عليّ البعض أنني أطيل في مقالاتي، وكأن الفكرة كلما أمكن ضغطها في سطرين كانت أحق بالقبول، وكلما احتاجت إلى صفحات كان ذلك عيباً في صاحبها.

وأتفهم شيئاً من هذا الاعتراض؛ فنحن نعيش في زمن السرعة، وزمن المنشورات القصيرة، والجمل التي تُلتقط سريعاً ثم يُنتقل منها إلى غيرها. وقد يكون الاختصار فضيلة حقيقية حين يكون المقصود حذف الزوائد، وتكثيف العبارة، والوصول إلى الفكرة بأقصر طريق ممكن.

لكن الاختصار ليس هو الاختزال، وهذه نقطة جوهرية كثيراً ما تختلط.

الاختصار أن تحذف ما يمكن حذفه من غير أن يختل المعنى، وأن تصل إلى الفكرة نفسها بعبارات أقل.

أما الاختزال فهو أن تحذف من الفكرة ما لا تستقيم هي إلا به، وأن تبتر سياقها، وتسقط شروطها واستثناءاتها ولوازمها، ثم تقدمها في صورة جملة سهلة التداول.

الاختصار يحترم الفكرة فيحاول تخفيف العبارة.

أما الاختزال فيخفف الفكرة نفسها حتى لا يبقى منها إلا شعار.

ومشكلتي أن كثيراً من القضايا التي أكتب فيها اليوم قد صُنعت حولها، خلال عشرات السنين، منظومات كاملة من الشعارات والمسلّمات والصور الذهنية الجاهزة:

هذا معنا، وذاك ضدنا.

هذا ولائي، وذاك متخاذل.

هذا موقف ديني، وذاك انحراف.

وهكذا تختصر ملفات من التاريخ والسياسة والفقه والعقيدة، بما فيها من أدلة واعتراضات ووقائع وتشابكات، في كلمات قليلة يسهل حفظها والهتاف بها، ويصعب بعد ذلك التفكير خارجها.

وحين أكتب، لا يكون هدفي أن أستبدل شعاراً بشعار، ولا أن أنقل القارئ من عقل جمعي إلى عقل جمعي آخر.

بل أحاول، ما استطعت، أن أضع أمامه المقدمات والوقائع والنصوص والاحتمالات، وأن أبيّن وجه الاستدلال، وأعرض الاعتراض وما يمكن أن يجاب به، ثم أترك له مساحة أن يفكر بنفسه.

كيف يمكن أن أطلب من قارئي أن يتحرر من عقل جمعي صنعته الشعارات، ثم أحاول إخراجه منه بأسلوب إطلاق الشعارات نفسه؟

لا يمكن، في الغالب، أن تُخرج إنساناً من أسر العقل الجمعي بالأدوات نفسها التي صنعت ذلك العقل.

فالعقل الجمعي يعيش على الاختزال.

أما التفكير الفردي فيحتاج إلى شيء من البطء.

يحتاج أن تقرأ قبل أن تحكم.

وأن تسمع الحجة كاملة قبل أن تختار موقفك منها.

وأن تعرف أن القضية قد لا تكون دائماً بيضاء أو سوداء، وأن بين الطرفين تفاصيل وقيوداً واستثناءات لا تظهر في العناوين الكبيرة.

وأنا لا أدعي أن كل ما أكتبه يحتاج بالضرورة إلى هذا المقدار من التفصيل، ولا أن كل إطالة فضيلة، ولا أنني بمنأى عن التكرار أو الاستطراد الذي يمكن الاستغناء عنه.

ولهذا أراجع ما أكتب وأحاول حذف ما أراه زائداً.

لكنني لا أريد أن يتحول هاجس الاختصار عندي إلى حذف ما تحتاج إليه الفكرة كي تُفهم على حقيقتها.

ولذلك، نعم: قد أطيل.

وقد يحتاج بعض ما أكتبه إلى عشر دقائق أو ربع ساعة من القراءة.

ولكنني لن أختصر فكرة تحتاج إلى تفصيل لمجرد أن رواد «الفضاء الأزرق» لا يحبون القراءة، ولن أعالج آثار عقود من الاختزال والشعارات بمزيد من الشعارات.

وإذا كان من أمراض هذا العصر أن الناس تريد أن تفهم القضايا الكبرى في عشر ثوانٍ، فليس العلاج أن نختصر الحقيقة حتى تلائم المرض، بل أن نعيد تدريب العقل على الصبر عليها.

فبعض الحقائق لا تُفهم إلا إذا أعطيناها شيئاً من وقتنا.

https://t.me/shaykhmohamadhaydaraleamili
August 26, 2026 1K 3