النسخة التي لا تعود لعل أكثر ما يرهق الإنسان خشية الفقد، وقسوة… — بـين ـ أروقة الكُتب "اليمن" — TG.ME

بـين ـ أروقة الكُتب "اليمن"حين لا تكون المأساة في رحيل من نحب، بل في بقائه. كل علاقة من حولنا تبدأ بافتراضات خفية، بوعدٍ غير معلن، يخبرك أن الإنسان الذي أمامك سيبقى، إلى حدّ ما، هو نفسه. ولذلك تُبنى الأحلام، ويُراهن على المستقبل، وتنعم بالسكينة، وتحاط بالألفة، دون أن تملك فكرة أن هذا…
النسخة التي لا تعود

لعل أكثر ما يرهق الإنسان خشية الفقد، وقسوة المآسي، صمت الأقدار، عمق الجراح ، انتزاع الأحبة، وبقية الملامح، الأصوات، الاسماء، وتترك جميعها أمامه ولا تبلغها الأيدي والنداءات،
وما أعجب الإنسان…
يبكي من يوارى في التراب، ولا يبكي من يُوارى في الحياة،ويرثي من أُغلق عليه القبر، ولا ينتبه إلى من أُغلقت عليه نفسه، ويظن أن الغياب رحلةُ الأجساد، مع أن أكثر الغياب قسوةً هو غياب الأرواح وهي لا تزال تُجيد المشي بين الناس.
ولطالما حسبنا أن الزمن وحده صانع التحولات، حتى غاب عنا أن الإنسان قد يكون أشد على نفسه من الزمن، وأقسـى عليها من الأيام، وأن بعض الأرواح لا يقتلها ما نزل بها، بل ما قاومته طويلًا، فما كل انطفاءٍ ولدته العواصف، بل قد يولد من كثرة الاحتمال، وما كل انهيارٍ بدأ بالسقوط، بل لعل أكثر الانهيارات تبدأ بالوقوف طويلًا، فالإنسان في أول الطريق، لا يشعر أنه يتغير؛إنه يؤجل تعبه، ثم يؤجل وجعه، ثم يؤجل دهشته، ثم يؤجل خوفه، ثم يؤجل نفسه، حتى إذا التفت بعد أعوام، وجد أن الذي كان يؤجله… كان عمره كله.
وليس لأن الأيام كانت أقوى منه، بل لأنه كان أقوى على نفسه مما ينبغي، كان كلما انكسر، جمع شتاته قبل أن يراه أحد، وكلما احترق أخفى رماده تحت ابتسامةٍ جديدة، وكلما ضاق صدره وسّع للآخرين صدورهم، حتى إذا فرغ من العالم، اكتشف أنه فرغ من نفسه، وهنا تبدأ المأساة التي لا يراها أحد، فالناس لا يرون إلا الثمرة إذا ذبلت، ولا يسألون عن الجذر الذي ظل يشرب الملوحة أعوامًا، يرون النهر حين يجف، ولا يعرفون عدد الفصول التي سرقت ماءه قطرةً بعد قطرة، يرون البرودة، ولا يعلمون كم نارًا احترقت حتى صار الرماد أكثر من اللهب، كم من إنسانٍ ظنه الناس قد تبدل، وهو في الحقيقة لم يتبدل…بل تعب من إعادة بناء نفسه بعد كل انهيار، وكم من روحٍ اتهموها بالقسوة، وما كانت إلا رحيمةً حتى استنزفت آخر ما فيها من رحمة، وكم من قلبٍ وصفوه بالجمود، وما كان إلا بحرًا ظل يمنح موجه للشواطئ، حتى لم يبق فيه ما يفيض.

إن أكثر الأرواح لا تموت حين تعجز عن الحب…
بل تموت حين تعجز عن حمل الحب، ولا تذبل لأنها كرهت الحياة…بل لأنها بالغت في الدفاع عنها، ولا تستسلم لأنها ضعفت…بل لأنها استنفدت كل صورةٍ من صور القوة.

وما أقسى أن يبلغ الإنسان تلك المرحلة التي يصبح فيها غريبًا عن نفسه، يجلس مع ذكرياته كما يجلس الغريب في بيتٍ كان يسكنه، يمر على ضحكته القديمة فلا يعرف كيف خرجت منه، ويقرأ كلماته القديمة، فيحسب أن كاتبها رجلٌ آخر، ويفتش في قلبه عن الطريق الذي كان يعود منه إلى نفسه، فلا يجد إلا آثار أقدامٍ محتها السنون.

هناك…لا يعود السؤال: ماذا فعلت الأيام؟
بل يصبح السؤال: كم مرةً فعل الإنسان بنفسه ما لم تستطع الأيام أن تفعله؟
كم مرةً أقنع قلبه أن يصبر، وهو يعلم أنه بلغ آخر الصبر؟
وكم مرةً أقنع عينيه أن تناما، وهما لم تفرغا بعد من السهر؟
وكم مرةً قال لنفسه: غدًا أخف…
حتى صار الغد أثقل من الأمس، والأمس أرحم من الغد. ولعل أعظم المآسي، أن الإنسان لا يشعر بلحظة غيابه عن نفسه، لا يسمع صوت الباب حين يُغلق، ولا يرى النسخة الأخيرة وهي تودع الأولى، ولا ينتبه إلى أن الأشياء التي كانت تدهشه، لم تعد تثير فيه سوى الصمت.
حتى إذا رآه الذين أحبوه، قالوا: لقد تغير، وما تغير في يوم، وما خانه قلبه في لحظة، وما غلبته الحياة بضربة. إنما ماتت فيه الأشياء كما تموت الأشجار؛ لا حين تسقط، بل قبل سقوطها بزمنٍ طويل، حين يبدأ النسغ في الانسحاب من جذورها، ولا يراه أحد. ولهذا…
لم أعد أخاف على الإنسان من اي شيءٍ آخر ؛
إنما أخاف عليه من نفسه…
حين يجعل منها آخر من يفكر في إنقاذه، حين يهب العالم أيامه، ويمنح الناس قلبه، ويقسم بينهم صبره، حتى إذا عاد في آخر النهار، لم يجد في داخله ما يكفي ليبقى هو.
فليس كل من بقي حيًا…بقي.
وليس كل من يبتسم…قد نجا.
وليس كل من أكمل الطريق…وصل.
فبعض الناس يبلغون آخر العمر… قبل أن يبلغوا آخر الطريق، ويعودون ولكن نسخته لا تعود.

_ عماد صالح.
August 11, 2026 1.1K 4