"مرحباً يا ابي"
لا أعرف لماذا أكتب لك وأنت في الغرفة المجاورة.
ربما لأن المسافة بيننا لم تكن يومًا تُقاس بالمتر، بل بالأشياء التي لم نقلها بالكراسي الفارغة بين جملتين، وبذلك الصمت الذي كان يجلس معنا على المائدة كأخ أكبر لا يجرؤ أحد على طرده.
أنت كنت موجودًا دائمًا.
هذه هي المشكلة.
كنت موجودًا في الصور العائلية، تقف خلفنا بكتفين عريضتين ووجه لا يبتسم كثيرًا.
كنت موجودًا في شهادة ميلادي، في خانة "اسم الأب"، بخط واضح كأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
كنت موجودًا حين مرضتُ حين كبرتُ حين عدت متأخرة
حين احتجت توقيعك في المدرسة.
كنت موجودًا مثل الجدار.
والجدار يا أبي، يحمي البيت.... لكنه لا يعانقه.
أتعرف ما الغريب يا ابي؟
انك تهجرنا.
ترفع يدك علينا.
اتختفيت في بلد بعيد.
كنت قاسيًا بالمعنى الكلمه
كيف أشرح للناس أنني أفتقد أبا لم يرحل؟
كنت احتاجك لا احتاج أبا يجلس أمامي ولا يعرف ماذا يفعل بدمعتي؟
في طفولتي كنتُ أراقب الآباء في الشارع.
أب يربط حذاء ابنته عند باب المدرسة.
أب يحمل ابنه النائم من السيارة إلى البيت.
أب يضع يده على رأس صغير ويقول: "لا تخف. "
كنت أنظر إليهم كما ينظر الجائع إلى واجهة مخبز.
ليس لأنني بلا خبز، بل لأن خبزي في البيت كان باردًا.
كنت تشتري لنا كل شيء.
الدفاتر.
الأحذية.
الدواء.
الفواكه.
كنت تضع المال على الطاولة ثم تنسحب، كأن الأبوة فاتورة
يجب دفعها قبل آخر الشهر.
وأنا الغبية الصغيرة، كنتُ أظن أن الحب لا يصدر صوتا لأنه ورقة نقدية مطوية في يد أمي.
مرةً في الصف الرابع، عدت إليكِ - لا، إليك.
انظر كيف يخونني النداء.
كلما حاولت أن أقول "أبي" خرجت مني امرأة تبحث عن حضن لا طفلة تبحث عن رجل.
المهم، عدت يومها أبكي لأن معلمتي قالت إن خطي قبيح.
كنت جالسًا أمام التلفاز، تتابع الأخبار كأن العالم ابنك الوحيد.
قلت لك: "المعلمة صرخت علي "
فقلت دون أن تنظر إلي: "اجتهدي أكثر. "
اجتهدت يا أبي.
والله اجتهدت.
اجتهدت حتى صرت أكتب جيدًا جدًا، لكنني لم أتعلم أبدًا كيف أكتب إليك.
كل النصوص التي كتبتها كانت محاولات فاشلة لأن أجعلك ترفع رأسك..