في علاقة الباب جاكت جلدي يعرف اسمي أكثر من أبي. لا تلمسوه، كلما تحرّك… — حروفي الباكية🥀 — TG.ME

في علاقة الباب جاكت جلدي يعرف اسمي أكثر من أبي. لا تلمسوه، كلما تحرّك تذكّرتُ صوت الباب وهو يتركني.

مرحبا...
كنت طفلة صغيرة حين عرفت أن البيوت لا تهدمها الزلازل فقط.
أحيانًا يهدمها رجل يدخل غاضبًا، يرفع صوته قليلا، فيختبئ الهواء تحت الطاولة.
أبي كان رجلا قاسيًا.
لا أعرف إن كان يحبنا بطريقة سيئة، أو يكرهنا بتعب، أو أنه فقط كان ممتلئا بشيءٍ أسود لا يعرف أين يضعه، فوضعه فينا.

كان يصرخ كثيرًا.
على أمي.
على الأشياء.
على الباب إذا لم يُغلق جيدًا.
على الملعقة إذا سقطت.
على البيت كله، كأن البيت ارتكب جريمة لأنه احتوانا.
وأمي...
كانت تصغر كلما رفع صوته.

كنتُ أراها تبكي في المطبخ بصمت، تمسح دموعها بسرعة إذا دخلت، كأن الدموع شيء عيب، لا الشيء الذي جعلها تبكي.
بعد كل عاصفة، كان يفعل الشيء نفسه.
يلبس جكيته الجلدي
يفتح الباب.
ويخرج ..

كان الجكيت يلمع تحت الضوء كجلد حيوان مات ولم
يعرف أنه مات.
كنت أكرهه.
أكره رائحته.
أكره صوته حين يحتك بذراعه.
أكره أنه كان آخر شيء نراه منه قبل أن يترك البيت مكسورا وراءه.

وحينما يحل موعد سفره
ولصدق افرح لارتاح من الرعب والعنف اللي مسببه لنا
أعرف أن هذه الجملة قاسية.

لكن الطفلة التي كنتها لم تفهم معنى غياب الأب.
كانت تفهم فقط معنى أن ينام البيت بلا صراخ.
في أول ليلة بعد رحيله، اشعر أن الجدران تأخذ نفسًا طويلا.

أمي تمشي في المطبخ دون أن تخفض صوت خطواتها.
الباب لم يرتجف.
والهواء يعود إلى مكانه.
عندما يسافر اشعر أنني طفلة.
لا حارسة مزاج رجل كبير.

عندما كبرت قليلا.
في داخلي كان هناك كرسي فارغ
كرسي كبير.
يجلس عليه رجل لم أعرف كيف أحبه، ولم أعرف كيف أستغني عنه.

كنت أكرهه، نعم.
وأخافه، نعم.
لكنني كنت أحتاج أبًا.
ليس هو ، أبا آخر.
أبا يسأل عن عمري ، عن مدرستي.
عن خوفي.
عن سبب سكوتي الطويل.
أبا لا يجعلني أهرب إلى غرفتي كلما سمعت مفتاحًا في الباب.
في الخامسة عشرة، بدأت أبحث عن ذلك الأب في أماكن غريبة.
في شاشة الهاتف ، في رسائل الغرباء.
في رجل يقول لي: "أنتِ مختلفة "
في صوت لا يعرفني لكنه يمنحني انتباها يشبه الحنان إذا نظر الإنسان إليه من بعيد.
كنت صغيرة.
وصغيرة جدًا على هذا الجوع.
لكن الفراغ لا يسأل عن العمر.
يفتح فمه فقط.

وعندما يعود من سفره
لم أشعر أن أبي عاد
اشعر أن غريبا دخل البيت ومعه حقي القديم في الخوف.

هو لم يتغير.
نفس الصوت.
نفس القسوة.

نفس الطريقة في كسر أمي ثم الخروج كأن شيئًا لم يحدث.
وأنا لم أعد طفلة صغيرة أختبئ خلف الباب.
صرت أكبر.
لكن خوفي كبر معي أيضا.
كنتُ أبقى في غرفتي.

لا أخرج إلا حين يذهب إلى الصلاة.
كنت أسمع الباب يغلق، فأتنفس.
أسمع المفتاح يعود، فأرجع إلى الغرفة كأنني شيء ممنوع
من الظهور.

الغريب أنني كنتُ أكرهه أكثر هذه المرة.

فـ هو قاسً لا ابعد حد
يعود بعد أن يعلمنا كيف نعيش بدونه.
يعود ليذكرنا أن الراحة التي شعرنا بها لم تكن حياة، بل هدنة.

ثم سافر مرة أخرى.
وفرحنا ، نعم، فرحنا.
أنا وأمي وأخي والبيت والباب والكراسي والهواء.
كلنا فرحنا.
لكن شيئًا في لم يفرح.
في المرة الأولى، ترك طفلة خائفة.
في المرة الثانية، ترك امرأة لا تعرف أين تضع خوفها.

فصرت أنام كثيرًا.
أنام حتى لا أفكر.
ثم أستيقظ فأجد جسدي على السرير، وعقلي في مكان لا أعرفه.
كنتُ أفتح عيني وأحدّق في السقف طويلا، كأنني أنتظر أن يتذكرني أحد.

دخلت علاقات سيئة.
واحدة بعد أخرى.
كنت أظن أن الرجل إذا اقترب مني بما يكفي، سيملأ المكان الذي تركه أبي.
لكن الرجال لا يملؤون فراغ الآباء.
غالبا يدخلون منه.

كنت أبحث عن الحنان، فأجد من يستعمل حاجتي ضدي.
أبحث عن الأمان، فأجد بابا آخر يُغلق في وجهي.
أبحث عن رجل يقول لي: "أنا هنا."
فأجد رجلا يعلمني شكلًا جديدًا من الغياب.

وضعت نفسي كثيرًا.
في رسائل.
في انتظار.
في وعود.
في أيد لم تكن تعرف كيف تمسك شيئًا دون أن تكسره.

حتى ضعتُ.

لم أعد أعرف من أنا.
البنت التي فرحت برحيل أبي؟
أم المرأة التي ما زالت تنتظر أبا لم يأت؟
أم الجسد الذي ينام من الدواء؟
أم العقل الذي يحدق في الفراغ ؟
أم الطفلة التي كانت تسمع الجكيت الجلدي يتحرك عند
الباب، فتفهم أن العاصفة انتهت، وأن الهجر بدأ؟



ليس أن يتركك الأب.

بل أن يكبر داخلك مكانه فارغا،
ثم تقضي عمرك تدعو الغرباء للجلوس فيه .

"أبوك... لم يكن يعرف كيف يكون أبا."
May 19, 2026 1