لست -والذي قبض شيخي إليه- بقادر على التوطئة لرثائه إلا بعبرات أسكبها،… — براء ! — TG.ME

لست -والذي قبض شيخي إليه- بقادر على التوطئة لرثائه إلا بعبرات أسكبها، وشجون أبثها، وأشواق أبعثها من دنياي إليه..

دنيا لا تبقي على أحد، ولا يدوم على حال لها شأن، تتقلب على الناس بين عسر ويسر، وتأتي على الغزيّ بأحزان ربما تخللها فرحٌ قطع، وسعد لم يتمّ..

كنتُ في أول عمري، طفلا تغرّب والده، وسافر أخوه، فكان لي أخا أكبر، ومربيا في مقام الوالد، وشيخا حريصا ما فتئ ينصح لي ويوجّه..

لم يكن يحول دون حضوره الحلقة وقيامه على شأن طلابه ومتربّيه: إلا مهمّة جهادية، أو دورة تدريبية، أو لقاء يجمعه ببعض الكبار..

بلغت في التسميع عنده منتصف البقرة، وأنا الذي بدأت أقرأ عليه مذ كنت في الشورى، فلما عزمت على التمام، وكاد يتم لي الختام، انقطع عنا لأيام، فقلت والله ما أقرأ (آمن الرسول) إلا عنده، وقد كان والحمد لله، فسجد شكرا وسجدت معه..

ما أحصي عدد ما أتانا الحلقة فجرا بعد رباطه في الليل، أو اعتذر عن الإكمال فيها لتمام وقتها لعسكرة عنده في النهار، وهو الذي عاش يتقلّب بين جهاد وجهاد.. ويرحم الله أخاه الشهيد جهاد، وشيخه الشهيد جهاد!

دخل علينا مرّة يحمل "ميدالية" لمفتاح دراجته، مكتوب عليها: "من صدق سبق"، وكان كثير الدندنة حول هذا المعنى، فتخرج من حلقته: الشهيد الصادق: سالم، والمجاهد الشهيد عبد الكريم!

وكنا في رحلة ذات ليلة، فحدثنا عن الشهادة ومكانة أهلها، وأخبرنا عن مبايعته ورفاقه عليها بتأثر، وما زال في أذني مسمع همسه لنا إذ قال: قد والله بايع الليلة رجال على الموت خمس مرّات، يقدم أحدهم على القائد الباسط يده، فيبايعه ويرجع أوّل الدور ليأتي بها ثانية وثالثة ورابعة وخامسة!

كان حريصا عليّ أشد الحرص، متابعا لي في سيري، ناصحا لي طوال مسيري.. مكثرا من الحديث عن بيعة الموت والجهاد!

ما تم لي أسبوعان مذ ختمت القرآن عنده حفظا، حتى بعث بي ووجهني لمركز علميّ في مسجد الشافعي، وهو الذي علّمني من قبل: التجويد ومبادئ الفقه والعقيدة والسيرة والحديث..

وبقي بعد انتقالي إلى حلقة أخرى، وانتقاله هو إلى حيّ آخر، سائلا عني في كل فرصة، واصلا إياي عند كل مناسبة، كلانا مشتاق إلى لقاء قبل الفراغ من اللقاء!

ثم دقت الحربَ طبولُها، فنفر مع من نفر، وجاهد مع من جاهد، ثم أصيب فمكث مدة يعالج نفسه، ويكتم وجعه، ثم رجع..

وكان من شأنه -وشأن كل منسيّ بين الركام-، أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فما كان ينزل بأرض، أو يأوي إلى خيمة، حتى يجتمع عليه من بأقطارها، خوفا منهم على أنفسهم، وهو المطلوب للكفرة اليهود مذ أشهرت القدس سيفها من غزة، في "سيف القدس"..

وكان كثيرا ما يكلمني طيلة الحرب، ويبث إليّ همّه في هذا، ثم يبيت الليالي والأيام، وحاجاتٍ له في صدره، ما يستطيع لها قضاء..

قضى أكثر الحرب متخفيّا، يغالبه الشوق إلى أهله وأبنائه مرّات فيأتيهم، ويغلب عليه الحرص أكثر السنة فينأى..

ضاقت يده، واتسعت ديونه، مع إنفاقه من ماله على الجند الذين يقودهم مرات، وغلاء المعيشة عليه دهرا..

كنا منذ ستة أشهر، نحاول جهدنا، ونبذل وسعنا، في محاولات لجمع ثمن دراجة كهربائية تعينه، فقضى تقبله الله ولمّا يتمّ لنا ذلك، ويا لله كم مشى بعرجته، ويا لله كم تعنّى..

اغتال اليهود الكفرة قبل يومين رفيق دربه، وصاحبه في مسيرة الجهاد، ثم رموه أمسِ بضربة مسيّرة، فبلغني الخبر ولمّا يستشهد، فقلت لصاحبي -وشيخنا في العناية بعد أن بتروا أطرافه-: رحمه الله، بل حفظه!

فسبقت رحمة الله إليه إبقاءَه مصابا مرة أخرى، فنال ما طلب، وبلغ ما عاش ينشده، وهو الذي كتب لي ساعة رثائه شيخه، ناقلا عنه: "سيروا إلى الله عُرُجا ومكاسير"، وكذا سار، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
💔291❤112😭64😢51
August 25, 2026 13.1K 164