مَنسِيُّون بين الركام ثمة فئاتٌ كثيرةٌ تُعاني وقد لا يُلتَفَت إليها… — براء ! — TG.ME

مَنسِيُّون بين الركام

ثمة فئاتٌ كثيرةٌ تُعاني وقد لا يُلتَفَت إليها أو يُلتفت إليها التفاتًا لا يغير شيئًا من حال المعاناة، وقد رأيت أن آتي بين الفينة والفينة على ما تيسر لي الانتباه له من حال هذه الفئات التي تعاني في سبيل الله.
وأبدأ الآن بها مكتوبةً ولعلي أصير إلى التسجيل بعون الله تعالى.

وأول الفئات التي أستهل بها هذه السلسلة: الإخوة المستهدفون من القيادات المجاهدة الميدانية ومن رجال السابع من أكتوبر ومن أصحاب التخصصات العسكرية والأمنية الذين يطالهم الاستهداف ومن على شاكلتهم من أبناء المجتمع.

فالواحد من هؤلاء يعاني شحَّ الأماكن التي يجلس فيها، وهو على انتظار القتل، وكثيرٌ منهم ينتقل من مكانٍ إلى مكان، لا يكاد يجلس في مكانٍ يومين أو ثلاثة أو أسبوعين أو ثلاثة حتى يستعد للمكان الذي بعده، وأكثر الناس يتهيبون من استقباله؛ لأنَّ بطش العدو بلغ المنتهى إذ يقصف من يطاله.

ثم إنه لو أراد أن يتخذ له مكانين يتنقل بينهما بحسب الظروف الأمنية فإنَّ المكان الواحد المكون من خيمةٍ أو خيمتين وحمام يشبه أن تبلغ تكلفته تكلفة بيتٍ صغير قبل الحرب؛ فبيت الخلاء يمكن أن تصل تكلفته إلى 2000 دولار، والكرسي وحده ثمنه اليوم في حدود 2000 شيكل أي ما يعادل 700 دولار.

ولو كان لا يمتلك مغسلةً وبرميل ماء وبعض متطلبات السباكة الخفيفة فيمكن أن يُضاف 1000 دولار فوق ذلك.

ولو أراد أن يضع ساترًا حول الخيمة وبعض المرافق الأساسية ليبقى مع ذلك محتفظًا بموقعه من التقلل لا يتجاوز من الحوائج إلا ما يتأكد.. فإنَّه يحتاج بضعة آلاف دولار، في الوقت الذي لا توجد فيه رواتب ولا يوجد فيه من يتكفل بهذه الحوائج.

وهذا كله غير الطعام والشراب والدواء وما يستجد من الحوائج، ولو كان يُعاني الديون فإنَّ العبء النفسي أضعاف ذلك.

ثم إن الغالب في حركته أنه لا يتحرك إلا فجرًا أو ليلًا، ولا توجد مواصلات، ولو تيسرت فإنَّ الظرف الأمني قد يجعله يتجافى الركوب مع العامة لئلا يُقصف أحدٌ بسببه، ولو أنه أراد أن يشتري دراجة كهربائية فإن ثمنها يوازي ثمن سيارة فاخرة قبل الحرب أو سيارة متوسطة الحال الآن.

ومن ثم فليس أمامه إلا المشي، وقد يمشي في المشوار الواحد أكثر من 10 كم، وهذا يوقعه في المشي في جوف الليل أو في آخره منفردًا، والغالب أنه لا يوجد معه سلاح شخصي (مُسَدَّس)، ومن ثم فهو على خطر؛ إذ العدو وأدواته من العملاء قد تكون لهم حركةٌ خفيةٌ في الليل لتنفيذ بعض الأعمال الإجرامية.

وأما نقاط رباط المجاهدين التي تحرس البلد عادةً فإنَّ العدو يتتبعها ليفرض المعادلة الأمنية التي يريد، ولهذا يكون المرابطون عادةً في غاية التخفي، والعدو يبحث عنهم باستمرار ويقصفهم كما يقصف نقاط الشرطة.

وأمام هذا الوضع الذي يتطلب مال قارون فإنَّ الواحدَ من هؤلاء لا يسهل أن يعمل في أيِّ سلكٍ وظيفيٍّ أو مهني، كما أنه لا يجد من يكفيه المؤونة، وربما كانت الإعانة التي يأخذها في أحسن الأحوال عبارة عن كابونة أكثر أغراضها غير مطلوبٍ له، أو مساعدة مالية شحيحة، ولو جاء الراتب فأكثر الأوراق المالية مهترئة لا يقبلها الباعة في السوق، وربما كان مع ذلك يجلس في مكانٍ غير معروف فيه لأحد، ولو أن اسمه وُضِع في أي كشفٍ إغاثي لعُرِف مكانه بذلك.

في لقاءٍ بأخي الشيخ نائل مصران رحمه الله ذُكِر هذا الأمر فقال: إنَّ اسمي مانعٌ من الدخول في أي كشف؛ لسهولة معرفة مكاني بذلك.
والتعفف يمنع صاحبه من الطلب.

ولقد بلغ الضيق المادي وفرط الحاجة ببعض الإخوة أن خرج وافتتح بسطةً يبيع ويشتري يقتات منها، ومن ثم تلقفه العدو بسهولة وتم استهدافه ليقضي نَحبه وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء.

ثم إن الواحد من هؤلاء معظم مصالحه معطلة؛ إذ لا يستطيع السير في النهار، وهذا يحمل على دوام الجلوس في الخيمة وهو مظنة المرض، ومن ثم فهو يعاني من تعبٍ في الصحة وكثرة في الأمراض وخطرٍ في الحالة الأمنية.

أحد خيار الناس في ديارنا الغزية كلها يقول لي: لقد غيَّرت مكاني واحدًا وثلاثين مرة، ولقد نحتت فينا الحرب وعملت عملها!

فالابتلاء اليوم ابتلاءٌ نفسيٌّ وجسديٌّ وماليٌّ وأمنيٌّ واجتماعي.

ومن أشق فصول الابتلاء في حياة هذه الفئة أنَّ كثيرًا من هؤلاء ما زالوا حتى اللحظة محرومين من الالتقاء بأهلهم، من الزوجة والولد، وإذا طغت المشاعر عند أحدهم وزار أهله فإذ هم (الملطش) الذي ينتظره العدو طويلًا إذ يدقق المراقبة عندهم ويتابع حركتهم وكثيرٌ من الإخوة تم استهدافهم عند هذا (الملطش) ليبقى الأخ حائرًا في الترجيح بين معاناة أعباء الاحتياط الأمني أو معاناة طغيان مشاعر الشوق.

وكثيرٌ منهم قد يتمكن أن يرى أهله مرة في الشهر، وهي لا تغني شيئًا، ولا يتيسر للرجل أن يتابع حوائج أهله وتربية أولاده في هذا الظرف الذي تآكلت فيه كثيرٌ من القيم.

يتبع
💔133😭36❤21😢9👍3
August 24, 2026 10.3K 59