يكثر في النهي عن الخصومات المعاصرة الكلام عنها من باب ضياع الأوقات وشتات التركيز؛ وهذا تهوين من شؤمها. بينما نهى السلف عن الخصومات لأنهم رأوا فيها خطرًا على أصل الاعتقاد وطريق التلقي.
قال البربهاري:
«ما كانت زندقة قط، ولا كفر ولا شك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأصحاب الكلام والجدل والمراء والخصومة» [١]
ومن تأمل مآخذ النهي عن الخصومات عند السلف وجدها عظيمة تليق بتعظيم الحق؛ منها:
١- إحداث الشك والحيرة في القلب بمجرد التعرض للخصومات:
قال البربهاري:
«فإن استماعك منهم ـ وإن لم تقبل منهم ـ يقدح الشك في القلب» [٢]
وقال ابن بطة في سياق آخر:
«لقد حيَّرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكُلْفة عن ربّه». [٣]
٢- التأثر وتبني المعتقد الباقي:
قال عنر بن عبدالعزيز:
«من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقّل» [٤]
٣- الاضطراب والتلوّن في الدين:
قال ابن الماجشون:
«إنما يريدون أن يفتنوك، أو يأتوا بشبهة فيضلّوك، ولا تقعد معهم».[٥]
وقال إبراهيم النخعي:
«كانوا يكرهون التلوّن في الدين».[٦]
٤- الجرأة في رد الآثار وتحكيم الرأي والهوى في الدين:
قال ابن بطة:
«وتكذيب الآثار، ومكابرة نصّ التنزيل، وتهاون بما قاله الرسول».[٧]
٥- نقض الإجماع وتفريق جماعة المسلمين وذهاب الألفة:
قال ابن بطة:
«ونقض عقدة الإجماع، وتشتيت الألفة، وتفريق أهل الملّة، وشكوك تدخل على الأمة».[٨]
والنهي عن ضياع الأوقات لأنه يؤدي إلى الجدل الذي هذه ثمراته النكدة؛ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون" [٩]
فالخصومة عند السلف لم تكن مجرد جدل طويل يضيع الوقت، وإنما نتيجة لها آثار قبيحة على المعتقد قد ينقل المرء من اليقين إلى الشك، ومن الثبات إلى التلوّن، ومن السنة إلى البدعة.
لذا أرى أن ينهى المربون الفضلاء عن متابعة الجدل مع توضيح أثرها، ولا يقال: لا تضيعوا أوقاتكم وحسب؛ فالأمر أشد شناعة، وأقبح مآلًا.
————
[١] شرح السنة (١/ ٨٧).
[٢] شرح السنة (١/ ١٢٤).
[٣] الإبانة الكبرى (١/ ٤٢٢).
[٤] رواه الدارمي (١/ ٣٤٢).
[٥] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٠٥)
[٦] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٣٣).
[٧] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٣١).
[٨] السابق.
[٩] أخرجه الترمذي (٣٢٥٣) واللفظ له، وابن ماجه (٤٨)، وأحمد (٢٢١٦٤)
August 11, 2026 19.1K 168