منتظرون: post #1111 — TG.ME

لم يبعث الله تعالى الأنبياء عليهم السلام ليقتصر الناس على أداء الشعائر والطقوس، بل لتتحول الرسالة إلى مشروع حضاري يقيم العدل في الأرض. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: 25).
فالغاية التي تصرح بها الآية ليست مجرد نزول الكتاب، وإنما «ليقوم الناس بالقسط»؛ أي أن يتحول الوحي إلى واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي، تُصان فيه الحقوق وتُقام فيه العدالة. ولذلك ذكرت الآية وسائل تحقيق هذا الهدف: الكتاب لبناء الوعي والثقافة والبصيرة، والميزان لإقامة العدل وضبط العلاقات، والحديد رمزاً للقوة والتمكين الذي يحمي هذا المشروع من الانهيار.

و من هذا المنطلق، لم تكن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) حدثاً عاطفياً أو مجرد دعوة إلى البكاء عليه، وإنما كانت امتداداً عملياً لمشروع الأنبياء في إقامة القسط والإصلاح. ولذلك أعلن (عليه السلام) هدف نهضته بقوله: «إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا، وَلَا مُفْسِدًا وَلَا ظَالِمًا، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ».

و من هنا يتبين أن الشعائر الحسينية ليست غايةً مستقلة عن مشروع الإصلاح، بل هي وسيلة لإحياء أهداف النهضة. فإذا انشغل المجتمع بإحياء الشعائر، مهما بلغت قدسيتها وعظمتها، ولم يسعِ في الوقت نفسه إلى إصلاح المجتمع، وصقل الإنسان حضارياً وثقافياً وفكرياً وأخلاقياً، وإقامة القسط الذي قامت لأجله الرسالات، فإنه يكون قد جرّد الدين من روحه، وأفرغ الشعائر من مقصدها. فالدين لا يريد أمةً تُحسن البكاء فحسب، بل أمةً تُحسن بناء الإنسان، ومواجهة الظلم، وإقامة العدل، وصناعة الحضارة المؤمنة.

و هذا هو السر في سقوط أهل الكوفة؛ فلم يكونوا مجرد قومٍ تركوا الشعائر، بل كانوا مجتمعاً انفصل فيه التدين عن الإصلاح، والعبادة عن البصيرة، والشعائر عن القسط، حتى انتهى بهم الأمر إلى خذلان إمام زمانهم وقتله. وهنا تتجلى خطورة الاكتفاء بالمظاهر الدينية دون صناعة الإنسان الرسالي.

و من هنا أيضاً يرتبط مشروع الإمام الحسين (عليه السلام) ارتباطاً عضوياً بمشروع الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، لأن الغاية واحدة. فقد تواترت الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) بأنه «يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا». فظهور الإمام المهدي ليس مشروعاً جديداً، وإنما هو الامتداد الطبيعي لخاتمة مشروع الأنبياء، والثمرة التي ضحّى الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل بقائها. فالرسالات بدأت بالقسط، ونهضة الحسين كانت لحفظ طريق القسط، والدولة المهدوية هي اكتمال القسط على مستوى العالم.

و لذلك فإن الانتظار الحقيقي لا يكون بكثرة الشعائر وحدها، ولا بكثرة العواطف وحدها، وإنما بأن تتحول الشعائر إلى مدرسةٍ تبني الإنسان، وتنهض بالمجتمع، وتصنع أمةً إذا حضر إمامها كانت أهلاً لنصرته، لا أن تعيد إنتاج التجربة الكوفية بثوبٍ جديد.

#إعرف_الحسين(ع)_لتعرف_المهدي(عج)
https://whatsapp.com/channel/0029Vb7qdTuJpe8g6mQWpx2O

https://t.me/awaitinghim
❤1
July 26, 2026 144 1