أفتّش هاتفي القديم لأخذِ عددٍ قليل من الذكريات المصوَّرة، فأحصيت نحو مئةٍ وثمانين مقطعاً لمشهدٍ مكرَّر، لأبي الشُّجاع النَّبيل، لحظةَ دخوله البيت عائداً من العمل؛ وهي اللحظة التي يبلغ الحبُّ فيَّ أشدَّه، وتساوي عندي الدنيا كلّها، بمتاعها وملذّاتها؛ لذلك أوثّقها يوماً بيوم. لاحظت أنّ المقاطع التي يفتح فيها أبي بابَ البيت بابتسامةٍ شديدة الاتّساع كانت في آب اللهّاب، بعد أن قضى في عمله اليوميّ، تحت أشعّة الشمس مباشرةً، نحو إحدى عشرة ساعةً.
وبما أنّني أمتلك ذاكرةً بحجم جبل، أتذكّر كلّ حديثٍ دارَ بيننا بعد توثيق اللحظة ودخوله عتبةَ البيت؛ إذ حتّى في أيّام الرّمضاء والحرّ، يحرص، بقلبٍ متّقدٍ، على معرفة أحوالي قبل تبديل ملابسه، ويهوّن عليَّ ما أجدُ من خطبٍ يسير، ممّا لا يُقيم له الآباءُ وزناً في الغالب، ويطلب إليّ أن أشاركه عشاءه بحديثي؛ فيبتسم للنّكاتِ ذاتها، ويتلقّى مكرَّرَ كلامي بدهشةٍ متجدّدة، كأنّه يسمعه أوّلَ مرّة.
كلّ حبّ أستطيع بثّه له فضلٌ فيه، وكلّ قوّة نفسيّة وروحيّة وبدنيّة فيَّ له فضلٌ فيها، وكلّ قدرةٍ عندي على الإحسان والرّحمة والتّراحم والمنطق المهذَّب له فضلٌ فيها، وكلّ خصلةٍ من خصالي له يدٌ فيها؛ لذا أقولها اليوم وكلّ يوم: سلامٌ عليك يا بابا، أنت أكثرُ الناس بطولةً وقوّةً وحبّاً؛ سلامٌ على كدّك وسعيك ونُبلك، وعلى جميل صبرك وإحسانك لبيتِك رغم إجهادك، سلامٌ عليك بقدرِ كلّ حبّ محضٍ تغمرني به كلّ صباحٍ ومساء. لا جفّ حضورك أبداً يا دفءَ وجودي وحصانةَ قلبي، وأعانني ربُّنا الرّحيم على إيفائك حقّ البرّ والإحسان والرّحمة.



