وعند إنشاء جامعة الإسكندرية فى سنة ١٩٤٣ عين الأستاذ العبادي عميداً لكلية الآداب وأستاذا للتاريخ الإسلامي بها ، وأحيل الأستاذ للمعاش فى سنة ١٩٥٢ ، ولكنه ظل كعادته موفور النشاط ، فكان يلقى محاضراته في جامعة عين شمس ، وفى معهد الجامعة العربية للدراسات العليا ، واختير فى هذه الأثناء عضوا بالمجمع المصرى للغة العربية ، وكان في كل هذه المناصب مثال الرجل المخلص في عمله ، حريصا على أداء الواجب محباً لمادته ودراساته ، لا تلهيه الأعمال الإدارية - على كثرتها عن دروسه و محاضراته .
وقد بدأت أتتلمذ عليه منذ نحو عشرين سنة ، ثم كنت أقرب تلاميذه إليه ، كنت أحبه وأقدره ، وكان يبادلني حباً بحب وتقديراً بتقدير ، وأشهد أنه كان - رحمه الله- الأب الرحيم لكل تلاميذه والعاملين معه . يعطف عليهم ويوجههم الوجهة الطيبة . وقد تخرج على يديه المئات بل الألوف . أجيال بعد أجيال من التلاميذ ، وليس من بينهم إلا من يذكره بالخير والاحترام والتقدير. يعرفون له عامه الغزير، ويقدرون له روحه السمحة ، وخلقه الكريم ، وأسلوبه العف ، وهدوءه الوقور ، واتزانه الحكيم .
أما العبادى المؤرخ فليس يعرفه غير زملائه وتلاميذه في مصر والعالم العربي الإسلامى . فقد كان التاريخ قبله رواية تروى ، أو قصة تحكى ، أو نكتة تقال أو بيتاً من الشعر ينشد . وكان العبادى أول من ارتفع به إلى مرتبة العلم . فجعله فكرة تمحص ، وتحليلا ، و ومقارنة ، ودراسة دقيقة على أسس ومناهج علمية ثابتة . فإذا كان في مصر اليوم من يفهم التاريخ الإسلامي حق فهمه ، ومن يجيد بحثه ودراسته فان الفضل الأكبر فى هذا إنما يرجع إلى العبادي وطريقته وجهوده .
وإلى هذا كله كان العبادي يمتاز بأسلوب أدبى رفيع رصين فارتفعت بحوثه ومقالاته التاريخية إلى مستوى لا يستطيع أن يرقى إليه الكثيرون . ولا يزال الشبان والكهول في مصر والعالم العربي يذكرون بحوث الأستاذ التاريخية التى كان ينشرها في مجلتي الرسالة مجلات الجامعات العالمية . وكلها كانت تصحح خطأ ، والثقافة . ثم في أو تكشف غامضاً ، فى أسلوب تحليلى ممتع ، وفي طريقة مقارنة، وقد جمعت هذه المقالات و نشرت بعد ذلك في مجلدين بعنوان : « صور من التاريخ الإسلامي ) .
وقد عرف العبادي المؤرخ خارج مصر فقدره الجميع أحسن تقدير عرف له المؤرخون الأوربيون وكبار المستشرقين مكانته وعلمه ، فكان صديقاً لهم جميعاً ، وانتدبه العراق للتدريس في دار المعلمين العليا ببغداد ، وكان له هناك تلاميذ كثيرون لا زالوا يذكرونه بالخير ، واختير عضواً بالمجمع العلمى العربى بدمشق ، وسافر إلى استانبول مع زميله أحمد أمين لدراسة المخطوطات العربية بمكتباتها ، وزار أسبانيا أكثر من مرة لدراسة الآثار الأندلسية الإسلامية ، ولا غرو فقد كان الأستاذ العبادى أول من أدخل دراسة تاريخ المغرب والأندلس في الجامعات المصرية ، وظل يدرس هذا التاريخ طوال سنى أستاذيته، كما أسهم رحمه الله - فى تمثيل مصر عدة مرات في مؤتمرات عامية دولية فى إيران ، وفرنسا ، وأسبانيا . وعرف له المجمع اللغوى مكانته كمؤرخ وأديب ، فانتخبه عضواً به ، وكانت له بحوث قيمة ، لعل أهمها وأطرفها البحث الذى ألقاه عن كتب الحسبة وأهميتها لدراسة المصطلحات والألفاظ اللغوية .
وعند ما أسست الجمعية المصرية للدراسات التاريخية منذ سنوات انتخب الأستاذ العبادى عضواً بمجلس إدارتها ، وظل يسهم بنشاطه في العمل على النهوض بها إلى أن اشتد به المرض فقدم استقالته من هذه العضوية ، لأنه كان لا يرضى دائماً إلا أن يكون عضواً عاملا . فلما رأى أن المرض يحد من نشاطه آثر أن يفسح الطريق لغيره . وإلى هذا كله كان الأستاذ العبادى عضواً في مجلس إدارة جمعية الشبان المسلمين بالإسكندرية .
والحقيقة أن الباحث لا يستطيع أن يحصى أوجه النشاط التي شارك فيها الأستاذ العبادي . فقد كان رحمه الله – محباً للعمل مخلصاً في أدائه . ويكفى أن نقول إنه شارك مشاركة فعالة في معظم اللجان التي كانت تبنى السياسة التعليمية والثقافية في الجامعات . وفي وزارة التربية والتعليم ، وفى الجمعيات والمعاهد والمحافل الثقافية المختلفة .
وظل الأستاذ العبادى مقبلا على العمل والإنتاج حتى آخر لحظة من حياته . فعلى الرغم من اشتداد المرض به أتم كتاباً جديداً عن العنصرية في الإسلام ( تقوم بطبعه الآن هيئة اليونسكو . كما حقق جزءاً من كتاب أنساب الأشراف للبلاذري الذي تنشره جامعة الدول العربية . كما راجع كتاب الحضارة الإسلامية الجرو نباوم الذي ترجمه إلى العربية الأستاذ عبد العزيز جاويد . ونشرته إدارة الثقافة بوزارة التربية .
تم اشتد المرض بالأستاذ فسافر - رحمه الله - إلى لندن .
و بقى في إحدى مستشفياتها ثلاثة أشهر ثم عاد . ولكن العلة كانت أقوى من جسمه .
وفي الثالث من أغسطس سنة ١٩٥٦ بلغ الكتاب أجله ، وارتفعت روحه إلى بارئها بعد هذا النضال الطويل الشاق ، فبكاه آله وأصدقاؤه وتلاميذه وكل من عرفه .
3
1
1May 1, 2024 2.2K 1