حرص عبد الحميد الثاني على توظيف السلطنة لخدمة الخلافة وإعادة تسكين الهوية العثمانية في هوية الأمة المسلمة الواحدة، وبالتوسع في منح حكومات الولايات سلطات حكم ذاتي موسعة، وإسناد الحكم في كل ولاية للمبرزين من بني جلدتها، وتكثيف الاستعانة بمستشارين عرب، وربط الأستانة بالحرمين الشريفين بالفعل، وجعل أمنهما على رأس أولوياته، واستثمار شعيرة الحج كآلية فعالة لتعميم الوعي بوحدة الأمة المسلمة، وجعل الأستانة محطة بينية في طريق قاصدي الحج إلى بيت الله الحرام من مسلمي الصين والهند وآسيا الوسطى، والعائدين من الحج، وإكرام وفادتهم واستضافة زعمائهم لأسابيع وشهور وسنوات، وأخيرًا إنشاء خط سكك حديد الحجاز.
وبلغ إيثار الأمة بتذليل سبل الحج والحفاوة بالحرمين الشريفين وتعميق وعي الأمة بقبلتها الجامعة لدى عبد الحميد حد أنه لم يحج، وعزز استطاعة ألوف الحجاج لأداء تلك الفريضة، وكأني به قد رأى أن تيسير الحج للمسلمين من كل أرجاء العالم هو الثغرة التي يتعين عليه الوقوف عليها، وأنه هو نفسه ممن لم يتعين عليهم الحط بحكم عدم استطاعته إليه سبيلا، في ضوء تكالب الأمم على أمتنا في لحظة حكمه التي ورث فيها واقعًا بالغ التعقيد.
ومن المفارقات أنه ظلم في حياته ظلمًا منقطع النظير، واتهم بالاستبداد، وحتى الدراسة التي بين أيدينا لم تسلم من وصفه مرارًا وتكرارًا بالاستبداد، رغم إعادتها الاعتبار له ونقض كثير مما نسب إليه بغير حق، وتثمين دوره في استعادة العافية لمؤسسة الخلافة، والتضحية بنفسه وماله في سبيل تسليم أمانة بيت المقدس وفلسطين كما تسلمها دون أي مساس بها.
من كتاب: تسييس الإسلام.
لقراءة المقدمة والفهرس
لشراء نسخة إلكترونية
لشراء نسخة ورقية

5
1September 9, 2026 215