لم أسترح يومًا إلى القراءة من غير الكتاب المطبوع، وما زلت إن احتجت إلى كتاب عانيت في تَطْلابِه حتى أناله، فلا أجد نفسي تقنع أن القراءة من الكتاب المصوّر تنفعها! وليس ذلك لعلةٍ في الكتاب المصور من مثل تعب العين أو عسر التقليب، بل لِما يحدثه من قطيعة مع الكتاب الورقي، وهو شيء لا أجد نفسي تقبله، فهو الأصل في القراءة والتعلم ما دام في الدنيا شيء اسمه كتاب. لكني وجدت عناءًا في سفري وتنقلي وساعات خروجي إذا طالتْ، فإما أن تثقل عليّ أحمال الكتب، وإما أن أُفْجَأً بساعات لم أقدّر أنها تحتاج إلى كتاب يسد فراغها. حتى اهتديت إلى حيلة أنصفَتِ الكتابَ المصوّر ووقَفَتْني على شيء من نفعه، وهي أني إذا ابتدأتُ في كتاب جعلتُ منه نسخة مصورة على هاتفي، فما تسنح لي سانحة إلا ابتدرتها فأكملت من هاتفي حيث وقفت في قراءتي من الكتاب المطبوع، وأطوّفُ ما أطوّف به حتى إذا أويت إلى مكتبتي رجعت إلى شأني ونبذت هاتفي. فوجدتني أتمُّ ما لم أكن أتمُّ مثلَه من قبل. وتذكرت ما كان يصنعه المازني ليستعين به على القراءة إذا خرج، فقد كان يشتري الكتاب من غير تجليد ولا غلاف، فتكون أوراقه غير مجموعة في خيط فيقدر على تجزئة الكتاب، فيحمل منه ملزمة أو ملزمتين يقرأ فيهما إذا خرج. وما جعل الله الإنسانَ ما عاشَ على حال واحدة، بل يضيق به زمن ويتسع به آخر، وله في حينٍ شِرَّةٌ وفي أحيانٍ فترةٌ، ولنفسه إقبال وإدبار، وللذهن مدٌّ وجزر. فالعاقل من كان قُلَّبًا يلبس لكل حالة لَبوسَها... "فذاك قريعُ الدهرِ ما عاشَ، حُوَّلٌ إذا سُدَّ منه منخرٌ جاشَ منخرُ"
11