الصاع صاعان: ليلة الرد التي نقلت إيران من الدفاع إلى المبادرة
شكّلت الساعات الأخيرة من المواجهة الأمريكية الإيرانية محطة فارقة في مسار الحرب الدائرة منذ أواخر شباط/فبراير الماضي، بعدما تحوّل القصف الأمريكي لحفل زفاف في منطقة "كوهستك" بمحافظة هرمزغان، وما خلّفه من استشهاد خمسة مدنيين بينهم طفل وإصابة 68 آخرين، إلى نقطة تحوّل دفعت طهران إلى تفعيل معادلة ردع جديدة قوامها أن كل ضربة أمريكية ستُقابل بكلفة عسكرية مباشرة.
استهداف حفل الزفاف واتساع رقعة الرد
لم تكتفِ القيادة الإيرانية بإدانة القصف الذي طال المدنيين في هرمزغان، بل بادرت إلى تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية متزامنة طالت شبكة واسعة من القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، من قاعدة الشيخ عيسى في البحرين إلى قاعدة الأمير حسن في الأردن، مرورًا بالقواعد الأمريكية في أربيل شمال العراق، وصولًا إلى قاعدتي الظفرة والمنهاد في الإمارات وقاعدة علي السالم في الكويت. هذا الانتشار الجغرافي للرد عكس رسالة إيرانية بأن القواعد الأمريكية في الإقليم، أينما وُجدت، لم تعد مناطق آمنة بمعزل عن مجريات الحرب، وأن أي دولة تفتح أراضيها للجيش الأمريكي المعتدي ستتحمل تبعات ذلك، وفق ما شدد عليه الناطق باسم مقر خاتم الأنبياء العقيد إبراهيم ذوالفقاري.
ولافت في هذا السياق أن الحرس الثوري اختار استهداف "معسكر تيتين" القريب من ميناء العقبة الأردني وميناء إيلات "المحتل"، وهو موقع يحظى بأهمية استراتيجية خاصة لكونه نقطة انتشار سريع لمشاة البحرية الأمريكية وقريبًا من الحدود السعودية. وقد أظهر اختيار هذا الهدف تحديدًا أن طهران تمتلك إحاطة استخباراتية دقيقة بتحركات القوات الأمريكية، حتى في المواقع التي حاولت واشنطن نشر قواتها فيها بعيدًا عن الأنظار، وهو ما يقوّض الرهان الأمريكي على عنصر المباغتة ويمنح إيران أفضلية استخباراتية تُترجم ميدانيًا إلى دقة أكبر في اختيار الأهداف.
وقد ألحقت الضربات الصاروخية والمسيّرة أضرارًا واسعة بالبنية التحتية العسكرية، شملت مراكز الصيانة ومستودعات العتاد وحظائر الطائرات المسيّرة ومنظومات الرادار والتجسس، في ما وصفته طهران بأنه مقدمة لردود "أشد وأوسع وأكثر تدميرًا" إذا استمرت واشنطن في عدوانها. هذا التصعيد المتدرج يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية: فكل توسّع في نطاق ضرباتها يستدرج بالضرورة توسعًا مقابلًا في الرد الإيراني، ما يحوّل القواعد الأمريكية المبعثرة في الإقليم من عناصر ردع إلى نقاط ضعف واستنزاف دائم.
تغيير قواعد الاشتباك
ما يميّز هذه الجولة عن سابقاتها هو أن إيران لم تعد تكتفي برد الفعل المتناسب، بل انتقلت إلى معادلة ردع تقوم على مضاعفة الكلفة، بحيث تتحول كل جريمة أمريكية بحق المدنيين الإيرانيين إلى ذريعة لضربة إيرانية أوسع نطاقًا وأشد تأثيرًا. وهذا التحوّل في قواعد الاشتباك لا يعكس فقط تصميمًا إيرانيًا على عدم ترك أي عدوان دون رد، بل يعبّر أيضًا عن قناعة طهران بأن المعركة انتقلت من طور "الحرب الخاطفة" التي راهنت عليها واشنطن، إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي ومكانة الولايات المتحدة الدولية.
فقد كشفت أشهر المواجهة الماضية أن الرهان الأمريكي على التفوق الجوي والعمليات السريعة لم يحقق أهدافه المعلنة، بينما نجحت الدفاعات الجوية الإيرانية في إسقاط طائرة أمريكية من طراز "إم كيو-9"، في مؤشر على تطور نوعي بالقدرات الدفاعية الإيرانية وتآكل موازٍ في مخزونات التسليح الأمريكي وقدرته على فرض الحسم. ومع استمرار الحصار وارتفاع أسعار النفط، تتزايد الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية، في وقت تحوّلت فيه الحرب، بحسب الرواية الإيرانية، إلى عامل تماسك داخلي يعزز التفاف الشارع الإيراني حول مؤسسات الدولة بدلًا من إضعافها.
وبين استهداف المدنيين في حفل الزفاف واتساع الرد الإيراني الذي طال ست قواعد أمريكية في أربع دول خلال ضربة واحدة، يتضح أن معادلة الردع التي تفرضها طهران اليوم لم تعد تقتصر على حماية الأراضي الإيرانية، بل باتت تشمل إعادة تعريف قواعد الاشتباك في الإقليم بأسره. فكل قاعدة أمريكية، وكل دولة تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها، تدخل تلقائيًا في دائرة الاستهداف المحتمل، بما يجعل من الصعب على واشنطن مواصلة عدوانها دون أن تدفع كلفة متصاعدة، عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، تضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: التصعيد نحو مواجهة أوسع تفتقر إلى أفق واضح للحسم، أو التراجع بما يعنيه ذلك من اعتراف ضمني بفشل رهان القوة الذي بُنيت عليه هذه الحرب منذ اليوم الأول.
✍موقع الخنادق
59
8September 2, 2026 2.1K 3