بَابُ فَضْلِ {‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ} عَنْ أَبِي سَعِيدٍ… — على مُكث | أحمد السيد — TG.ME

بَابُ فَضْلِ {‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ}
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "‌أَيَعْجِزُ ‌أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ"، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ".
وَفِيْ رِوَاْيَة: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ ‌يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ".


الفوائد المستنبطة من الحديث:

1- يبيُّنُ الحديثُ تفاوتَ فضلِ آيات القرآن الكريم، وأن من المهم للمؤمن ولطالب العلم أن يدرك هذا التفاوت، وأن يحرص على أفضل الرتب، وأن يعتنيَ عنايةً خاصةً بالآيات التي جاء في النصوص تفضيلٌ لها على غيرها من آيات القرآن.

2- دلَّ الحديثُ على مركزية توحيد الله سبحانه وتعالى وأهمية العلم به وببيان أسمائه وصفاته وتعظيمه وتنزيهه سبحانه وبحمده، فهذا الباب هو موضوع سورة الإخلاص، ولا شك أن تعظيم سورة الإخلاص له ارتباطٌ بموضوعها، ولو نظر الإنسان في بقية السور والآيات التي ورد فيها التفضيل، لوجد أن آية الكرسي -أعظم آية في كتاب الله- موضوعُها نفسُه، وهو الحديث عن الله، والتعريف به سبحانه، وتعظيمه وتنزيهه وتمجيده والإخبار عنه تبارك وتعالى.
وإن أدركنا عظمة هذا الباب، فلا ينبغي أن تخلوَ منه مجالسُنا ودروسُنا، ومعاهدنا، ولا ينبغي لطالب العلم ألا يكون معظماً لهذا الباب في دراسته الشرعية، أو لا يكون هذا الباب حاضراً في مجالسه ودراسته وعنايته، فهو باب عظيم وشأنه كبير، عظمه الله سبحانه وتعالى وعظمه نبيه ﷺ.

3- يبرز الحديثُ أهميةَ الأسلوب البياني وتشويق الناس في بث العلم، لأن النبي ﷺ لما أراد أن يلفت انتباه أصحابه إلى أهمية ومنزلة سورة الإخلاص، استعمل أسلوباً بيانياً لافتاً مشوقاً، وذلك أنه ﷺ قال: "أيعجز أحدُكم أن يقرأ ثُلُثَ القرآن في ليلة؟"، ففهم جميعُ الصحابة أن الثُّلُثَ هنا بمعنى الثُّلُث، من حيثُ عدد الأجزاء والسور، فتنبه الصحابةُ واستُفزَّت أذهانهم، ثم بين لهم النبي ﷺ أن المقصود سورة الإخلاص، وفي رواية في صحيح مسلم استعمل النبي ﷺ أسلوباً أكثر تشويقاً، فقال ﷺ: "احْشُدُوا. فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ‌ثُلُثَ ‌الْقُرْآنِ" فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ. ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. ثُمَّ دَخَلَ. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ. فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ. ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ‌ثُلُثَ ‌الْقُرْآنِ. أَلَا إِنَّهَا تعدل ‌ثلث ‌القرآن".

فظن الصحابة أن النبي ﷺ سيقرأ عليهم عشرة أجزاء، فقرأ عليهم سورةً قصيرةً ودخل، ثم خرج مبيِّناً لفضل هذه الصورة ومكانتها.
فمن المهم جداً لمن يكون في مقام إبلاغ الدين وتعليم الناس أن ينوع في أساليب البيان، وأن يستعمل الأساليب التشويقية، وهذا من البيان القرآني أيضاً، فقال سبحانه: "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ"

4- يبيِّنُ قولُ الراوي: "وَكَأَنَّ الرَّجُلَ ‌يَتَقَالُّهَا" أن الإنسان برأيه المجرد قد لا يدرك قيمة وقدْر ومنزلة العمل أو الآيات عند الله سبحانه وتعالى، ومهما اجتهد الإنسانُ برأيه بعيداً عن النصوص التي وردت في التفضيل فلن يصل، فالرجل هنا تقالَّ سورة الصمد لأنها سورة قصيرة، فالإنسان دائما بحاجة إلى نور النصوص من الكتاب والسنة لبيان فضائل الأعمال، وهذا باب عظيم قد يزهد فيه بعض طلبة العلم، وهو باب يبين رتبَ الأعمال، وإدراك رتبِ الأعمال من الفقه في الدين.
❤384👍37
February 25, 2026 44.9K 91