من أعظم الآفات التي تنخر في طمأنينة الإنسان، وتفسد عليه بهجة يومه؛ آفة المقارنة الزمنية، وهي شعور ينتاب الإنسان حين يرقب قطارات الآخرين تتحرك سريعة، بينما يقف قطاره على رصيف الانتظار، فيداخله الأسى، وربما تسلل إليه وهم الحرمان.
والحقيقة التي تغيب في هذه اللحظة؛ أن رزق الله المكتوب لا يخطئ طريقه إليك، وتأخره عنك في زمن؛ لا يعني حرمانك منه في زمن آخر، كما أن العطاء في غيب الله لا يُقاس بالسبق وإنما بالخيرية، فربُّ رزقٍ واحدٍ متأخر يكون خيرًا من ألف رزقٍ متقدم، في نوعه، وبركته، وتوقيته، وتلك السنوات التي تحسبها ضائعةً من عمرك لم تكن إلا صنعًا وتهيئةً لهذا العطاء العظيم.
وكم من أمورٍ تأخرت فكان تأخيرها سببًا لنيلها! وأخرى فُتحت على العبد من أبواب الخير ما لا ينتهي له مع التقديم، فلا يزال يجني ثمارها ما بقي في الدنيا! ولو قُدِّم له ما يتمنى (في بادئ أمره) لَحُرم هذا الخير، ولربما لحقه من المكروه ما يذهب بفرح حصول المحبوب، فكان في التأخير صيانةٌ له ورحمة، وتعظيمًا لنعمة الله عليه.
ومُزاول تعجيلُ أمرٍ لو أتى
عجلًا إليه لساءه تعجيلُه!
ثم إن حكمة الله في التقديم والتأخير، والمنع والعطاء؛ أعظم من أن يحاكمها عقلٌ قاصر، فليس للعبد إلا الرضا والتسليم، ولله رحماتٌ خفيةٌ في طيِّ التأخير، لو كُشفت لطارت القلوب بها فرحًا، ولكن الله يبتلي عباده لينظر كيف يعلمون، فهو الذي يخلق ما يشاء ويختار.
قال ابن القيم: «ومن تأمل أقدار الرب، وجريانها في الخلق، علم أنها واقعة في أليق الأوقات بها، والله أعلم.»
- منقول