شيخنا الزين الشنشوري كان مشتغلًا بالفقه لا غيره، فرحل إلى بلاد الروم، وأفرغ وسعه في قراءة العلوم العقلية على علمائها، ولازمهم مدة مديدة إلى أن أتقن هذه العلوم، وبالغ فيها ما لم يبلغه المصريون إلا شيخنا اللقاني.
ولمّا جاء إلى مصر اجتمعت به، وقرأت عليه «شرح القطب»، فكان يحفظه على الغيب، ويحفظ حاشيته للسيد كذلك، وكنت إذا جئته يقول: طالعتَ الشرح والحاشية؟ فأقول: نعم، فيقول: اسمع أقرر لك الدرس قبل أن تقرأ، فيقرؤه كما في القطب والشمسية، ثم يزيد على ذلك فوائد من عنده ومن عند مشايخه.
ومن عجيب ما اتفق لي معه أنه قال لي ذات يوم: «بلغني أنك تقرأ في ‹شرح القطب› على فلان»، قلت: نعم، قال: «هذا لا يفهم هذا الكتب، فكيف تقرؤه عليه»، ثم قال: «يلزمني الطلاق بالثلاث إن قرأت عليه بعد اليوم ما أقرأتك»، فتركت القراءة عليه، ولزمت الحالف؛ لبعد ما بينهما في العلم.
ولقد رأيتُه يومًا اجتمع بشيخنا اللقاني، فقال له شيخنا اللقاني: «يا شيخ زين الدين، أو يا مولانا، وقع في ‹شرح المواقف› كذا»، وذكر بحثًا وقع للسيد وللمحشين عليه وإشكالًا منه فيما ذكروه، فسكت الشنشوريُّ هنيهة، ثم قال: «يا مولاي، الجواب عن ذلك ممكنٌ»، وذكر جوابًا استحسنه شيخنا اللقاني، ثم قال: «المبحث يحتمل أكثر من هذا، فتأملوه في هذه الليلة، فلعله يحصل جوابٌ آخرُ أوضح من الأول».
وهذه من أجلّ مناقب الشنشوري حيث أهّلَه اللقاني إلى سؤاله وقبوله إلى جوابه وتعظيمه وطلبه منه تأمله أزيد من تأمله الأول، مع أنه - أعني اللقاني - كان لا يسمح بذكر نظير ذلك لأحدٍ من معاصريه.
هذا مع أن الشنشوريَّ كان تلميذه قبل ذهابه إلى الروم في الفقه؛ فإنَّ كلًا منهما مالكيٌّ، فكان الشنشوريُّ يحضر درس الشيخ اللقاني في الفقه، وكان الشيخ لا يعتبره، فلمَّا ذهب إلى الروم، وارتقى في الفضائل إلى الرتبة العليا خضع له الناس حتى الذين كانوا ينتقصونه ويغضون منه ويترجمونه بأنه جمادٌ لا يفهم شيئًا.
ابن حجر الهيتميّ رحمه الله ...
من صفحة الشيخ محمد سالم البحيري
1September 3, 2026 128 1