أنا لم أكن ضعيفًا يومًا... أنا فقط تعبت من أن أكون قويًا طوال الوقت.
منذ سن الحادية عشرة، وأنا أقاتل الحياة بأظافري؛ أتشبث بها كلما حاولت أن تنتزعني منها، أسقط ثم أنهض، وأخسر في كل مرة جزءًا مني، ثم أعود لأكمل الطريق وكأن شيئًا لم يحدث.
كبرت قبل أن أعرف كيف تكون الطفولة، وتعلمت مبكرًا أن الإنسان قد يضطر إلى إنقاذ نفسه بنفسه، حتى حين يكون في أمسّ الحاجة إلى يدٍ تمتد إليه.
ومع ذلك، عشت بقلبٍ نقي. أحببت الخير للجميع، حتى أولئك الذين لم يعرفوا كيف يحبونني. لم أطلب من الحياة كثيرًا؛ كنت أريد عائلة تشبه الأمان، وصديقًا لا يرحل حين أثقل، وقريبًا لا ينساني حين أحتاجه، وقلبًا واحدًا أشعر معه أنني لست وحدي.
لكن، بطريقة ما... تُركت دائمًا.
كانت العائلة أول خذلان، وأول جرحٍ عجزت عن إغلاقه. كانوا العائق النفسي الأول الذي بُني داخلي، والسبب الأول في كثير من الخراب الذي حملته معي إلى هذا العمر. دمروا أشياء جميلة كثيرة خُلقت في داخلي، وسرقوا من طفولتي حقها في أن تكون طفولة.
لم يكن عادلًا أن تتقاسموا سنوات عمري كلها، ثم تتركونني وحدي أدفع ثمنها حتى اليوم.
ثم أخذت الحياة مني ما تبقى.
مات جدي، وضاع البيت، وعرفت الجوع والتشرد والطرقات، وعرفت كيف يمكن لطفلٍ صغير أن يكبر قبل أوانه، فقط لأنه لم يجد أحدًا يحميه.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الحياة بالنسبة إليّ حياةً بالمعنى الذي يعرفه الآخرون؛ أصبحت سلسلة طويلة من المعارك، أتعثر فيها مرة، وأنجو مرة، وأدفن شيئًا من نفسي في كل مرة.
أما هذا الوطن... فلم أرَ السكينة يومًا في عناقه.
كلما حاولت أن أحتضنه، شعرت كأن إبرًا تنغرس في أحشائي. قضيت عمري أبحث فيه عن زاوية صغيرة أشعر فيها أنني أنتمي، لكنه كان في كل مرة يذكرني بأنني غريب، وأن المكان الذي ولدت فيه لم يكن بالضرورة المكان الذي أستطيع أن أعيش فيه.
وتركني الأصدقاء، وتركني القريب والبعيد، وتركني كل من ظننت يومًا أنه سيبقى.
حتى تلك الحبيبة التي كنت أشعل لها أصابعي شموعًا كي لا تتعثر في الظلام... تركتني هي الأخرى.
كنت أظن أنها قادرة على الوصول إلى الأماكن المظلمة داخلي، وأنها تستطيع أن تصلح شيئًا من الخراب الذي صنعته السنوات، وأنها ستبقى حين تبدأ معاركي الحقيقية؛ لكنها عند أول معركة انسحبت، وتركتني وحدي أمام كل شيء.
لم يعد يؤلمني أن يرحل أحد...
الذي يؤلمني أنني كنت، في كل مرة، أقول لنفسي:
هذه المرة سيبقى أحد.
ولم يبقَ أحد.
والآن، بعد كل هذه السنوات، وبعد كل ما قاتلت من أجله، وصلت إلى مكانٍ لا أعرف فيه ماذا أفعل بنفسي، ولا إلى أين يمكن لإنسانٍ مثلي أن يذهب بعدما استنفد كل الطرق التي حاول بها البقاء.
لذلك قد أذهب قريبًا إلى البعيد... البعيد جدًا.
إلى مكان لا أعرفه، ولا أعرف ما الذي ينتظرني فيه، ومكان أعرف أن الطريق إليه ليس آمنًا، وربما تكون العودة منه أصعب من الذهاب إليه.
لا أعرف إن كنت سأعود كما ذهبت، ولا أعرف كم ستطول غيبتي، ولا أعرف ماذا ستفعل بي تلك الرحلة.
ربما أصل إلى مكانٍ أستطيع فيه أن أبدأ من جديد، وربما أعود شخصًا آخر تمامًا، وربما تكون الرحلة أقسى مما أتخيل.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا...
أنا لم أصل إلى هذه النقطة لأنني لم أحب الحياة؛ بل لأنني أحببتها كثيرًا، وقاتلت من أجلها طويلًا، حتى صار القتال نفسه أكبر من قدرتي.
فإن ابتعدت، فلا تبحثوا عن تفسيرٍ جميل لغيابي، ولا تقولوا إنني كنت شجاعًا.
أنا فقط إنسان قضى عمره يبحث عن مكان يستطيع أن يعيش فيه دون أن يضطر إلى خوض معركة جديدة كل صباح.
وقد أذهب الآن إلى مكانٍ لا أعرف إن كان سيمنحني فرصةً أخرى للحياة، أم سيأخذ مني ما تبقى من قدرتي على الاحتمال.
وإن طال غيابي، فلا تجعلوا الغياب سؤالًا ثقيلًا، ولا تبحثوا عني في كل طريق.
فقط ادعوا لي، ودسّوني بين دعواتكم دون أن أطلب منكم شيئًا آخر.
لا تنسوا أنني لم أكن طوال هذه السنوات أبحث عن النهاية...
كنت أحاول النجاة، لا أكثر.
كنت أتشبث بالحياة بأظافري منذ الحادية عشرة، وكل ما أردته في النهاية كان مكانًا أستطيع أن أتنفس فيه دون خوف، وأن أعيش فيه دون أن أقاتل كل يوم كي أبقى.
فإن غبت طويلًا، فتذكروا أنني لم أتوقف عن المحاولة... أنا فقط تعبت من أن تكون النجاة وحدها هي كل ما أعرفه عن الحياة.