وتخيّل لو أن كل إنسان كان نورًا لمن حوله…
الأم نورًا في بيتها، والأب نورًا لأبنائه، والمعلم نورًا لطلابه، والصديق نورًا لصديقه.
كيف سيكون المجتمع؟
عندها تتسع دائرة الإصلاح، ويُحفظ الناس من الشر، ويكون المجتمع أقرب إلى العزة والنصر والتمكين بإذن الله.
💔 ماذا يحدث عندما يغيب المصلحون؟
انظر إلى واقع الفتيات والشباب.
كم من فتاة في عمر السابعة عشرة أو الثامنة عشرة وقعت في أيدي أصحاب السوء بسبب غياب التوجيه والرقابة والاحتواء!
الأب غائب، والأم منشغلة، والفتاة تبحث عمن يسمعها، فيجدها أصحاب الأهواء والشهوات.
والقصص في هذا الباب تدمي القلب.
ولهذا لابد أن تبقى فئة تحمل الراية.
فلو استسلم المصلحون جميعًا، فمن الذي سيقف أمام الفساد؟
🌿 «معذرةً إلى ربكم»
قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
تأمل هذه الكلمة:
﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾
لم يقولوا: سنصلحهم جميعًا.
ولم يقولوا: سنضمن النتائج.
وإنما قالوا: نريد أن يكون لنا عذر عند الله.
وهذه رسالة عظيمة للمصلح:
عليك البلاغ والسعي، أما النتائج فبيد الله.
قال تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
وقال النبي ﷺ:
«بلِّغوا عني ولو آية».
فلا تحمل نفسك ما لم يكلفك الله به، ولا تظن أن نجاح الدعوة متوقف عليك.
ابذل السبب، وادعُ بالحكمة، واصبر، ثم سلّم النتائج لله.
🌱 «أُولُو بَقِيَّةٍ»… القلة التي حملت الراية
قال تعالى:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
من هم ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾؟
هم أهل الفضل والخير والعقل والرشد، الذين بقوا على الحق، ونهوا عن الفساد.
واللافت أن الله قال:
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾
قلة قليلة، لكنها حملت راية الإصلاح.
ووصفهم الله بالنجاة.
ثم قال:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
أي أن الإصلاح له أثر عظيم في حفظ المجتمعات.
فالمطلوب منك ألا تقول:
أنا وحدي، ماذا سأفعل؟
بل قل:
سأكون واحدًا من أهل الإصلاح.
🌸 احمل الراية ولو كنت واحدًا
لا تستصغر كلمة طيبة.
لا تستصغر نصيحة في وقتها.
لا تستصغر أمًّا تربي أبناءها على مراقبة الله.
لا تستصغر أبًا يضع حدودًا للمنكر في بيته بالحكمة والرحمة.
لا تستصغر معلمةً تزرع معنى في قلب طالبة.
لا تستصغر مجلس علم.
لا تستصغر آيةً تذكر بها غافلًا.
قد تكون كلمة منك سببًا في إنقاذ إنسان من طريق كامل من الضياع.
فما دام الله قد أنعم عليك بنور من العلم، فانشره، وكن نورًا لمن حولك.
🌿 «لا نعرف ديننا»… فماذا بعد؟
لقد أصبحت مجالس العلم متاحة، ووسائل تعلم القرآن والسنة كثيرة، وفي الهواتف من الدروس والسلاسل النافعة ما لا يحصى.
فمن أراد أن يتعلم وجد الطريق.
لكن المشكلة أحيانًا ليست في غياب الوسائل، وإنما في الإعراض عن الحق، واتباع الشهوات، وإيثار الدنيا.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
🕊️ لا تستسلم… فالمصلحون طوق نجاة
الواقع مؤلم، نعم.
والمنكرات كثيرة، نعم.
لكن الاستسلام ممنوع.
لأنك إذا قلت: لا فائدة، وقال الآخر: لا شأن لي، وقال الثالث: المجتمع فاسد، فمن الذي سيحمل الراية؟
لابد أن تبقى فئة تقول:
سأصلح نفسي، وأهلي، ومن أستطيع، بالحكمة والرحمة والعلم.
لعل الله يجعلنا سببًا في نجاة أنفسنا وأهلينا، ولعل كلمةً صادقةً نلقيها اليوم تكون سببًا في هداية إنسان غدًا.
⚠️ ماذا سنقول عندما نقف بين يدي الله؟
سنُسأل.
قد يقول الفاسق:
يا رب، لم يكن أحد ينصحني.
وقد يقول الابن:
يا رب، لم يوجهني أحد.
وقد تقول البنت:
يا رب، كان أبي وأمي غائبين عني.
فماذا سيكون جوابنا؟
هل نقول:
لم يكن شأننا؟
أم نقول:
يا رب، حاولنا، ونصحنا، وعلّمنا، وأصلحنا ما استطعنا، ووقفنا عند حدود قدرتنا؟
هنا نفهم معنى:
﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾
لسنا مطالبين أن نملك قلوب الناس.
ولسنا مطالبين أن نضمن النتائج.
لكننا مطالبون أن نحمل الأمانة، وأن نبذل ما نستطيع، وأن لا نتخلى عن واجب الإصلاح ونحن قادرون عليه.
🌸 كلمة أخيرة
إذا منّ الله عليك بالعلم، فلا تحبسه في صدرك.
1August 15, 2026 85