الاختلاف في عودة ضمير الفاعل في ( جعلها).
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨).
1️⃣ الميزان:
قوله تعالی: «وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» الظاهر أن ضمير الفاعل المستتر في «جَعَلَها» لله سبحانه، و الضمير البارز- علی ما قيل- لكلمة البراءة التي تكلم بها إبراهيم (ع) و معناها معنی كلمة التوحيد فإن مفاد لا إله إلا الله نفي الآلهة غير الله لا نفي الآلهة و إثبات الإله تعالی
[و ذلك أن« الله» فيها مرفوع علی البدلية لا منصوب علی الاستثناء.]
و هو ظاهر فلا حاجة إلی ما تكلف به بعضهم أن الضمير لكلمة التوحيد المعلوم مما تكلم به إبراهيم (ع).
2️⃣ الامثل:
ثمّة تفسير آخر، و هو: إنّ الضمير في (جعل) يعود إلی اللَّه سبحانه، فيكون معنی الجملة: إنّ اللَّه سبحانه قد جعل كلمة التوحيد في أسرة إبراهيم.
غير أنّ رجوع الضمير إلی إبراهيم عليه السّلام- و هو التّفسير الأوّل يبدو أنسب، لأنّ الجمل السابقة تتحدّث عن إبراهيم، و من المناسب أن يكون هذا الجزء من جملة أعمال إبراهيم، خاصّة و أنّه قد أكّد علی هذا المعنی في آيات عديدة من القرآن الكريم، و إنّ إبراهيم كان مصرّا علی أن يبقی بنوه و عقبه علی دين اللَّه، كما نقرأ في الآيتين (١٣١)، (١٣٢) من سورة البقرة:إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَ وَصَّی بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفی لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
و التصوّر بأنّ (جعل) يعني الخلق، و أنّه مختصّ باللَّه سبحانه، تصوّر خاطئ، لأنّ (الجعل) يطلق علی أعمال البشر و غيرهم أيضا، و في القرآن نماذج كثيرة لذلك، فمثلا عبّر القرآن عن إلقاء يوسف في البئر من قبل إخوته، بالجعل: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ[يوسف، الآية ١٥].
اتّضح ممّا قلناه أنّ ضمير المفعول في (جعلها) يعود إلی كلمة التوحيد و شهادة (لا إله إلّا اللَّه) و يستفاد هذا من جملة: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ التي تخبر عن مساعي إبراهيم من أجل استمرار خط التوحيد في الأجيال القادمة.
و ورد في روايات عديدة من طرق أهل البيت عليهم السّلام اعتبار مرجع الضمير إلی مسألة الإمامة، و ضمير الفاعل يرجع إلی اللَّه طبعا، أي إنّ اللَّه سبحانه قد جعل مسألة الإمامة مستمرّة في ذريّة إبراهيم عليه السّلام، كما يستفاد من الآية (١٢٤) من سورة البقرة، إذ لما قال اللَّه سبحانه لإبراهيم: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً طلب إبراهيم عليه السّلام أن يكون أبناؤه أئمّة أيضا، فاستجاب اللَّه دعاءه، إلّا في الذين ظلموا و تلوّثوا بالمعصية و الجور: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
إلّا أنّ الإشكال الذي يتبادر لأوّل وهلة هو أنّه لا كلام عن الإمامة في الآية مورد البحث، اللهمّ إلّا أن تكون جملة (سيهدين) إشارة إلی هذا المعنی، لأنّ هداية النّبي صلی اللَّه عليه و آله و سلّم، و الأئمّة عليهم السّلام شعاع من هداية اللَّه المطلقة، و حقيقة الهداية و الإمامة واحدة.
و الأفضل من ذلك أن يقال: إنّ مسألة الإمامة مندرجة في كلمة التوحيد، لأنّ للتوحيد فروعا أحدها التوحيد في الحاكميّة و الولاية و القيادة، و نحن نعلم أنّ الأئمّة يأخذون ولايتهم و زعامتهم من اللَّه سبحانه، لا أنّهم مستقلّون بأنفسهم، و بهذا فإنّ هذه الرّوايات تعتبر من قبيل بيان مصداق و فرع من المعنی العام ل جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً و لهذا فإنّه لا منافاة مع التّفسير الذي ذكرناه في البداية. (فتأمّل!)
[نقل صاحب نور الثقلين هذه الأحاديث في المجلّد ٤، صفحة ٥٩٦- ٥٩٧، و وردت أيضا في تفسير البرهان، المجلد ٤، صفحة ١٣٨- ١٣٩.]