لا تُدرك حواسُّنا شيئًا يبلغ حدَّ التطرّف: ففرطُ الضجيج يُصمّنا، وفرطُ الضوء يُبهرنا، وفرطُ البعد أو القرب يحول دون الرؤية، وفرطُ الإسهاب أو الإيجاز يجعل الخطاب غامضًا، وفرطُ الحقيقة يُذهلنا. وأعرف أناسًا لا يفهمون كيف أنك إذا طرحت أربعة من صفر ظلّ لديك صفر.
والمبادئ الأولى أشدُّ بداهةً مما نطيق، وفرطُ اللذة يزعجنا، وكثرةُ التوافقات تُستقبَح في الموسيقى، وفرطُ الإحسان يثير حفيظتنا؛ فنودّ أن يكون لدينا ما نردّ به الجميل بأكثر منه.
ونحن لا نشعر بالحرارة القصوى ولا بالبرودة القصوى؛ فالصفات المتطرفة معاديةٌ لنا، ولا تعود محسوسةً لدينا: إننا لا نشعر بها، بل نكابدها.
وفرطُ الشباب وفرطُ الشيخوخة يعوقان العقل، وفرطُ الغذاء وقلّتُه يُخلّان بأفعاله، وكذلك كثرةُ التعلّم وقلّتُه تبلّدان الذهن.
وخلاصة الأمر أن الأشياء المتطرفة تبدو لنا كأنها لم تكن، ونبدو نحن بالنسبة إليها كأننا لم نكن؛ فإما أن تفوتنا، وإما أن نفوتها نحن!».
Blaise Pascal (1623 - 1662)